في أحد أيام شهر يونيو من عام 2007، وقف سيناتور شاب من ولاية إيلنوي كانت تفصله عن الرئاسة مسافة ليست قريبة أمام محطة للوقود في الجزء الغربي من مدينة لوس أنجلوس مهنئاً أبطال ثورة الوقود الحيوي، حيث كانت محطة "كنسورف فيول" الأولى من نوعها في الولايات المتحدة التي توفر الوقود الحيوي للمستهلك. ذلك الشاب كان باراك أوباما الذي بدأ وقتها يسعى إلى تكريس نفسه كمرشح يدعم البدائل الجديدة للوقود الأحفوري وكأحد أشد المدافعين عن البيئة. وخلال زيارته لمحطة الوقود الجديدة لم يفوت أوباما فرصة لانتقاد إدارة بوش وسياستها في مجال الطاقة، والتي تكاد تقتصر كلها على النفط، دون أن ينسى الإشادة بحاكم ولاية كاليفورنيا، أرنولد شوارتزينجر، لإقراره معايير خاصة بالولاية تتعلق بانبعاث الكربون، كما وصف الرجل الذي كان وراء فكرة تسويق الوقود الحيوي في المحطة، وهو "كريس مولر"، بالمقاتل الشجاع الذي يحارب من أجل كوكب الأرض والذي تفوق في ذلك على واشنطن نفسها. لكن كم بدا ذلك اليوم بعيداً عندما جئت بسيارتي في الشهر الماضي إلى المحطة للتزود بالوقود الحيوي، حيث اشتريت قبل أربع سنوات سيارة صغيرة تعمل فقط بالبنزين الحيوي المستخرج من زيوت نباتية، أو من شحوم الحيوانات، هذا الوقود الذي يشغل حتى المحرك العادي أيضاً دون الحاجة إلى إدخال تعديلات على السيارة. ولأني كنت من الذين يترددون على المحطة باستمرار منذ شرائي للسيارة، حاول المسؤول عنها لدى رؤيتي قادماً تنبيهي قبل أن أصل إلى المكان المخصص مشيراً بيده إلى لافتة كتب عليها أن البنزين الحيوي لم يعد متوافراً، وهكذا انتهت تجربتي التي دامت أربع سنوات مع الوقود النظيف، ورجعت إلى البنزين العادي لأنفث التلوث من جديد في الجو دون خجل. والحقيقة أن تخلي محطة الوقود عن تزويد عملائها بالبنزين الحيوي راجع إلى قرار اتخذته هيئة مراقبة الموارد المائية في شهر يونيو الماضي يمنع تخزين الوقود الحيوي تحت الأرض، وبما أن محطات الوقود لا تملك عادة الإمكانات لبناء مخازن وحاويات فوق الأرض فقد أرغم القرار العديد منها الاعتماد على النفط وإلغاء مخزونها من الوقود الحيوي. ولا شك في أنه يتعين توخي أقصى درجات الحذر عندما يتعلق الأمر بتخزين المواد الكيماوية تحت الأرض، لاسيما وأن ولاية كاليفورنيا تريد تفادي تسرب مواد سامة ناتجة عن تخزين الوقود تحت الأرض إلى شبكة المياه الجوفية ووصولها إلى مياه الشرب في المنازل. فما هو جيد بالنسبة للهواء ليس بالضرورة مفيد للأرض، وهو سبب يضع الوقود الحيوي في خانة المواد المحظور تخزينها في حاويات تحت سطح الأرض. وقد عبر عن قرار هيئة مراقبة المياه في الولاية أحد مسؤوليها قائلاً: "يتعين إخضاع جميع المواد التي يراد تخزينها تحت الأرض للفحوص والتجارب الضرورية قبل الإقدام على هذه الخطوة". لكن المشكلة تكمن في طول المدة وضياع الوقت، بحيث تستغرق عملية إجراء الفحوص للتأكد من سلامة الوقود الحيوي ثلاث سنوات كاملة، كما أن المخاوف المرتبطة بالوقود الحيوي غير مبررة بالنظر إلى الدراسات التي أثبتت خلو الوقود الحيوي في حالته النقية من أية مواد سامة، أو مضرة بصحة الإنسان بفضل سرعة تحلله في البيئة. لكن هيئة مراقبة الموارد المائية تقول إنها ليست متخوفة من الوقود الحيوي في حد ذاته، بقدر ما تخشى من المواد التي تضاف إليه، حيث أشار أحد مسؤولي الهيئة إلى أن هناك أكثر من 1500 نوع من الوقود الحيوي، في مبالغة واضحة تتغافل عن وجود معايير كيماوية صارمة تحدد ماهية الوقود الحيوي ولا يمكن التلاعب بها. ولئن كان بعض المزودين يضيفون فعلاً مواد كيماوية إلى الوقود الحيوي لإطالة مدة صلاحيته، أو يلجأون إلى خلطه مع النفط حتى يستفيدون من الحوافز الضريبية التي تقرنها الحكومة ببيع الوقود المختلط، فإنه ليس من الضروري إضافة تلك المواد، كما يؤكد "إيريك باون"، مدير اتحاد الوقود الحيوي بولاية كاليفورنيا، قائلاً: "فقط عندما ينقل الوقود الحيوي لمسافات طويلة، أو يخزن لمدة مديدة، يمكن إضافة المواد الكيماوية، لكن لا يوجد أدنى سبب لإضافتها في حال إنتاج الوقود محلياً". وقد سعت الهيئات التنظيمية في الولاية إلى منح استثناءات للتخزين تحت الأرض بالنسبة للوقود المختلط الذي يضم 20% من الوقود الحيوي و80% من النفط، وذلك لإبقاء الصناعات حية حتى تُجرى الفحوص، فلماذا إذن لا يطبق الأمر نفسه على الوقود الحيوي الخالص الذي ينتجه مطورون محليون؟ علماً بأن مثل هذا القرار من شأنه تعزيز الاقتصاد غير المضر بالبيئة، والذي تسعى الحكومة إلى تعزيزه. وفي غضون ذلك، تبقى رغبات العديد من سائقي السيارات الذين قرروا الانخراط في حماية البيئة والتقليل من الانبعاثات السامة مجرد أمنيات بسبب سياسة الطاقة المتقلبة التي تتبعها ولاية كاليفورنيا. فبينما تقر الوكالات التابعة للولاية قوانين تتعهد بمعالجة الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، نرى كيف يُسمح للشركات بالضغط على الحكومة لوأْد المبادرات الجديدة، مثل السيارة الكهربائية ووضع العراقيل أمام الأنواع البديلة للوقود الملوث. ------ جوديث لويس صحفية أميركية تكتب عن التكنولوجيا والقضايا البيئية ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"