بدأت بانقلاب يقوده شباب على ظهور الدبابات مع فجر يوم كان بداية لخلافات لم تنتهِ بموت محمد نجيب وهو مغيب في ظلمات الذكريات، بل كانت نهايتها كارثة 1967 مع حفلة انتحار المشير. ويعترف الآن من يقول إن مصر تراجعت عن دورها خلال تلك المرحلة التي لم يبقَ فيها شيء يعمل إلا جهاز المخابرات. من يريد أن يعرف أسرار الفترة الخفية في الانقلاب الناصري، عليه أن يقرأ كتاب "حسن العشماوي" حول علاقة عبدالناصر بـ"الإخوان"، أو السيرة الذاتية للفيلسوف المصري "عبدالرحمن بدوي"، الذي فر إلى باريس، فمات هناك في غرفة وحيداً شريداً. وقد عاش جيلنا تجربة الوحدة الناصرية، فكان حماس الناس لها كبيراً، حتى شعروا بـ"المقلب" بعد حين. وأمة تفقد قدرة تقرير المصير، كما يقول الفيلسوف الألماني "شبنجلر"، ليس أمامها إلا أن تتحول إلى "بضائع" للاستيراد والتصدير. وهناك من يحتفل بمناسبة ثورة الضباط الأحرار في مصر، ومن يحزن لها، كما هي الحال مع أيام أخرى في "جمهوريات" عربية دخلت نفق الانقلابات العسكرية... فإذا هم فريقان يختصمون. هل كانت ثورة عبدالناصر مصيبة ولعنة على الأمة، أم كانت فتحاً مبيناً؟ هناك من احتفل بالفتوحات الناصرية على أنها كانت فترة الصعود والصمود العربيين، وهناك من يلطم الخدود ويشق الجيوب! فهل كانت ثورة الضباط نعمة من السماء وحرية وازدهاراً، أم كانت لحظة تراجع واستبداد؟ لقد ذكر العشماوي في كتابه "الإخوان والثورة" أن عبدالناصر خلّد اسمه على نحو ما، ولكن هل خلد نقشه في سجل الخالدين؟ هناك إحداثيات في الحكم على الأشخاص، وليس مثل التاريخ حكماً. من يقول بالفتوحات الناصرية، يذكر الخلاص من عائلة فاروق، لكن هل جاء بعد الفاسدين من هو أصلح أم أفسد؟ هناك من ينشد أغاني عبدالحليم حافظ في بناء السد، لكن الفيلسوف "بدوي" يكتب في مذكراته أنه تحصيل حاصل. ولو بعث الفرعون امنحوتب الرابع وبيبي الثاني لفعلوا ما فعله عبدالناصر، فليس من جديد. وهناك من يقول إن أيام عبدالناصر كانت فتحاً مبيناً، وهزيمة لثلاث دول عام 1956، منها اثنتان من القوى العظمى: فرنسا وبريطانيا. لكن الملك حسين كشف الغطاء عن سر مرعب، وهو أن حرب 1956 هي التي فتحت الطريق لامتداد إسرائيل مثل نصل سيف حتى شرم الشيخ في البحر الأحمر ومعها أفريقيا، فبعد أن كانت إسرائيل تطل على بحر واحد، أمكنها التمدد إلى بحرين. ولولا قرار عبدالناصر بتأميم القناة، لما فتح الطريق لإسرائيل إلى البحر الأحمر، لتكون سبباً لاحقاً لكارثة سيناء وهزيمة 1967. ومن الغريب أنه لم يكن أحد يفتح فمه بما حدث من مصيبة! ثم جاءت حرب اليمن التعويضية بدون تعويض، وقبلها كارثة قتل العائلة المالكة العراقية، كما جاء في مذكرات "يونس البحري". سيقول كتاب الأغاني الناصرية، إنه نفخ في القومية العربية، لكن ليس أسوأ من حرب الكرد والعرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر.. لا شك في أن عبدالناصر قاد إلى هزيمة، يدفع العرب فاتورتها حتى الساعة، ولا شك في أن أمم تحترم نفسها يستقيل قادتها لأسباب أقل شأناً مما حدث على يدي ناصر. وفي جو من الهرج والمرج وعدم النضج السياسي، يصعب الحكم على الأشخاص والخوض في سيرتهم دون أن ينال الإنسان السوء من القول والتهديد بالقتل. يقول مالك بن نبي إن الشخص يمر بثلاث مراحل منذ طفولته، فيتعرف على الأشياء، ثم الأشخاص، ثم الأفكار. والأمر كذلك في المجتمعات، فهي تبدأ من الأوثان، لتمر بدور بطولة الأشخاص، قبل أن تبزغ شمس الأفكار وتتهاوى الأصنام.