هناك رأي يقول إن العلاقات الخليجية - الإيرانية، والتي تشهد عادة حالة من المد والجزر، مرتبطة تقليدياً بالمتغير الأميركي، وأنه لا يمكن فهم طبيعة هذه العلاقة بعيداً عن العلاقة الإيرانية مع الولايات المتحدة الأميركية. وحالياً، يبدو أن العلاقات الدولية كلها مع إيران مقبلة على تغيرات كبرى في فترة ما بعد الأزمة الانتخابية، خاصة فيما يتعلق بترتيبات العلاقة الأميركية - الإيرانية في ملفات الخلاف وهي كثيرة، حيث بدأت تصريحات المسؤولين الأميركيين تؤشر إلى ما ستكون عليه العلاقة مستقبلاً. فقد توالت مؤخراً تصريحات لمسؤولين أميركيين وغربيين فيما يخص صياغة العلاقات مع إيران مستقبلاً، آخرها تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون بأن الولايات المتحدة لن تنتظر طويلاً إيران، وحددت سبتمبر المقبل موعداً نهائياً لأن تحدد إيران موقفها من اليد الأميركية الممدودة إليها. هذا يعني أنه إن لم تتحرك دول مجلس التعاون بشكل مشترك لصياغة علاقاتها مع إيران، فستكون أمام نتائج وتداعيات سلبية على مصالحها وقضاياها. ما يقلقنا كمراقبين هنا هو أن يتكرر المشهد الخليجي في تعامله مع إيران، كما حدث خلال الفترة الماضية، وبالتالي يكون جزءاً أساسياً من طبيعة العلاقة الأميركية - الإيرانية، متأثراً على نحو كبير بما تطرحه السياسة الأميركية، حيث كان المتغير الأميركي هو الأساس في طبيعة علاقات دول الخليج مع إيران، والخوف أن تعود أجواء التوتر مرة ثانية كما كانت خلال فترة الرئيس بوش، خاصة أن مستقبل العلاقات الأميركية - الإيرانية الحالية يشير إلى احتمال تكرار ذلك، رغم أنه من الوارد أيضاً أن يكون هناك انفراج. دول مجلس التعاون لا بد أن تكون علاقاتها مع إيران بعيداً عن التأثر بالسياسة الأميركية، وأن تربط مصالحها بما يتوافق مع أولوياتها، علماً بأن الإدارات الأميركية تجعل الأولوية لمصلحتها فوق مصالح دول الخليج، وهذا طبعاً ليس عيباً في اللعبة السياسية بل هو المطلوب، وقدر أدركته دول الخليج، لا سيما خلال الفترة الأخيرة من عهد إدارة الرئيس بوش، عندما أعلنت نيتها في إجراء حوار مع إيران، ووقتها طالب الخليجيون بألا يتم تجاهلهم إذا ما حدث الحوار الأميركي - الإيراني. أي اتفاق أو اختلاف قد ينتج عن الحوار الأميركي - الإيراني سيكون على حساب المصالح الخليجية. الكل يترقب الآن كيف يمكن أن تتعامل دول مجلس التعاون الخليجي مع نجاد في ولايته الرئاسية الثانية، خصوصاً في القضايا الشائكة وفي مقدمتها القضايا الأمنية والوضع في العراق وقضية الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى. لا يكفي أن تنتظر دول مجلس التعاون ما ستتخذه الولايات المتحدة من موقف تجاه إيران، حتى الآن لم تقرر الولايات المتحدة موقفها من إيران، ودول الخليج ليس لديها موقف خاص فيما يتصل بالتعامل مع إيران خلال الفترة القادمة، فسياستها تقوم على أساس مصالحها وعلى حسابات دقيقة مرتبطة بشكل مباشر بالأمن القومي الأميركي. وفي هذا السياق، من المهم لدول الخليج العربي البحث عن مصالحها وإعادة ترتيبها مع الجار الخليجي. نحن في الخليج كلنا أمل في أن تكون السياسة الإيرانية الجديدة أكثر حكمة وعقلانية وانفتاحاً مما كانت عليه في الفترات السابقة. لكن طبيعة التطورات الجديدة، سواء داخل إيران أو خارجها، تتطلب وضع سيناريوهات للتعامل مع القادم الجديد من إيران، حيث يهمنا هنا وجود تصور خليجي يستند أساساً على حماية مصالح دول الخليج في فترة ما بعد الأزمة الانتخابية الإيرانية، فالكل بدأ يضع ملفات خاصة به في التعامل مع إيران، وربما إسرائيل كانت قد استعدت أكثر من غيرها بعد أن شعرت بأن إيران في طريقها إلى امتلاك القنبلة النووية، وزيارة وزير الدفاع الأميركي (جيتس) إلى إسرائيل تندرج في هذا الإطار. أبرز ملمح للتعامل الغربي مع إيران مستقبلاً هو الصدام معها، فالرسالة واضحة. أما بالنسبة لنا فلم نحدد موقفنا بعد، والأمر بحاجة إلى بلورة رؤية خليجية مشتركة ومتماسكة.