طرحت الأرقام المخيفة التي أشار إليها تقرير التنمية العربية الذي صدر هذا الشهر عن عام 2009 مجدداً وبصورة أكثر حدة من قبل، مسألة الإصلاح التي اعتقدت العديد من الحكومات العربية أنها دفنت نهائياً. وكانت بعض الدول العربية قد حاولت -في محاولتها لتخفيف الضغوط الأميركية- إجراء بعض الإصلاحات الديكورية في الممارسة السياسية، بما في ذلك تعديل قوانين أو إنشاء مؤسسات إضافية تهدف إلى توسيع القاعدة الزبائنية، وتبدو من حيث المظهر توسيعاً للمشاركة السياسية. في المقابل، نحا بعضها منحـى آخر تماماً. فقد استفاد من نتائج الحملة الفاشلة لإدارة بوش الابن على المنطقة كي يعزز مواقعه ويخرج أقوى مما كان من قبل. وقد استغل حصول الإجماع في الداخل والخارج، على أسبقية الاستقرار على أي هدف آخر، ليعيد بناء التوازنات الداخلية والخارجية على أسس جديدة تضمن مزيداً من احتكار السلطة وشخصنتها. وفي سياق تحول الاستقرار إلى الخيار الرئيسي للمنظومة الدولية وتلقي النظم مزيداً من الدعم الخارجي، تجنباً لخيار الفوضى والعنف الإرهابي، والإحباط المتجدد للرأي العام... نجح العديد من النظم في التحول من نظم تسلطية إلى نظم قيصرية أو قيصرية جديدة. والقيصرية السياسية ليست ثمرة طبيعية تولد من تلقاء نفسها، بسبب الطبيعة الثقافية أو النفسية أو التراث التاريخي، لشعب ما، ولا حتى الأهواء الشخصية. إن ولادتها تحيل إلى سياق اجتماعي سياسي هو هنا التحالف اللامنسجم واللامتجانس لفئات مصالح لا يجمع بينها ويضمن استمرار تسيدها وتحقيق ذاتها سوى الولاء المشترك والكامل للسلطة وخضوعها الكلي لها. فبهذه الطريقة، يتميز القيصر عنها جميعاً ويتحول إلى كيان شامل ومركز تماهٍ جمعي، بل يتحول إلى تجسيد لشعب بأكمله قبل أن يكون ممثلاً للطبقة التي يستند النظام القائم إليها. فالقيصرية نظام يقوم بالأساس على هذه الوظيفة الجامعة والشاملة التي يمثلها القيصر، والموقع المتميز والمشرف والمستقل، وبالتالي المقدس أو شبه المقدس الذي يعطى له، والذي يجعل الجميع أمامه على القدر نفسه من العبودية والحرمان من السيادة والأهلية، مهما عظم شأنهم الاقتصادي وعلا كعبهم الاجتماعي. والتسليم للقيصر، وإعلان الولاء الجامع له، من دون استثناء أو انتقاص أو تردد، هو شرط تكونه كقيصر، لا يُشك في ولائه أو إلهامه أو إخلاصه ووفائه وسداد رأيه. وبعكس الحاكم السياسي، أي البشري، لا تستقيم صورة القيصر ولا تستقر في الذهن كسلطة فائقة الرمز والقوة والقيمة والنجاعة، إلا برفع القائد الفرد إلى مرتبة استثنائية غير طبيعية، تجنب مقارنته بغيره. فممارساته، مهما كانت، فوق بشرية، لا تخضع لمعايير العقل أو المنطق أو السياسة أو المصلحة أو الأخلاق، أي لمعايير ومنطق الصحيح والخطأ، والحق والباطل والخير والشر. منطقها الوحيد هو الحكمة الكامنة فيها والتي لا يعرفها إلا أهل الذكر والقيمون على السر، ولا تتجلى حقيقتها إلا في تاريخ لاحق. وبعكس ما يبدو في الظاهر، لا تنبع قوة القيصر من صفاته الشخصية، العقلية أو النفسية، وإنما من الموقع الذي يحتله في النظام والقوة التمييزية المطلقة التي تمنح له من قبل الأطراف المشاركة في النظام. لذلك ليس لقوة الشخصية قيمة هنا، بل ربما كان ضعف الشخصية سبباً إضافياً في تعزيز السياسة القيصرية. إذ يميل الشخص ضعيف الثقة بالنفس إلى استغلال القوة التمييزية التي يعطيها له النظام بأكملها، وعدم التساهل في أي جزء منها. وبالإضافة إلى مصدر القوة الرئيسي هذا، لا تقوم القيصرية من دون عمل يومي دؤوب يقوم فيه كهنة النظام والقيمون عليه، من أنصار وأيديولوجيين، ورجال دين مقربين، ورجال دولة وأمن، وأطراف اجتماعية مشاركة في النظام ومستفيدة رئيسية منه... بالمشاركة الحية في بناء القيصرية كمصدر سلطة استثنائية، مقدسة وملهمة وناجعة معاً، ورسم صورة رمزها كما ينبغي أن تكون. وتهدف هذه المساهمة إلى التأكيد اليومي والدائم، في الممارسة والخطاب معاً، على الطابع الفريد والامتيازي لنظام الحكم وللقائد معاً، وقمع أي سلوك أو كلام من شأنه التشكيك باستثنائية الوضع وشخص القيصر أو بمناقشة أفعاله وأقواله أو إخضاعها لمقياس العقل أو السياسة أو المنطق الطبيعي، وفي المقابل تكريس سلطة القيصر الفرد المطلق كواقع طبيعي وحتمي، منزه عن الأغراض والأهواء والمصالح والأخطاء. لا يصبح القيصر قيصراً إلا بمقدار ما يسلم له الجميع، وفي مقدمهم بالطبع القوى الاجتماعية التي تشكل قاعدة النظام، والنخب الثقافية وغير الثقافية التي تدور حولها، بالأمر، ويقبلون به وكيلاً لذواتهم جميعاً قبل أعمالهم. والتسليم فعل من أفعال الإيمان، لا يُقبل إلا إذا كان مخلصاً وصادقاً وكاملاً لا يدخله أي شك أو تردد أو اعتبار سوى الثقة بمقدرة "الملك الإله" وحكمته وطبيعته الخيرة. من هنا يحتل القيصر، كقائد فرد مطلق ومنزه عن الأهواء والأغراض، كل الواجهة السياسية، أي كل فضاء العمومية، ويحول جميع المؤسسات والسلطات الخاضعة له، عسكرية واقتصادية وسياسية وإدارية وثقافية وأهلية، إلى أدوات يستخدمها في تحقيق إدارة ليست من السياسة وإنما هي من الحكمة "اللدنية"، لا تخضع لأي معيار موضوعي وقانوني، سوى ما يراه هو من خير وفائدة للمجتمع والبلاد. الحكم حسب إرادة القائد ورغبته وتمنياته، والاستجابة لتصوراته وأهوائه، الخيرة بالضرورة، من دون أي محاسبة أو مراقبة حتى من قبل من يحيط به من رجال السلطة أو من طرف القوى المالكة التي تشكل قاعدة نظامه الاجتماعية... هو جوهر الإيمان والتسليم، ومن وراء ذلك راحة البال وحسن المآل في الدنيا والآخرة. في هذا السياق، لم يكن من المستغرب أن يكون تقرير عام 2009 للتنمية البشرية العربية، بصرف النظر عما تعرض له من تزيين، أكثر إدانة لواقع المجتمع والسياسة العربيين من التقارير السابقة، والتي شكلت حين صدورها صدمة حقيقية للوعي العربي، العام والخاص معاً. فجميع المؤشرات، ما تعلق منها بالنمو الاقتصادي أو التكافؤ الاجتماعي أو البطالة أو الفقر أو التعليم، فما بالك بالمشاركة السياسية والتقدم على طريق تحقيق المطالب الديمقراطية والحقوق الإنسانية، تشير إلى تجاوز الخطوط الحمر. ومع نسبة بطالة تزيد على 14 بالمئة، ومستقبل قاتم للتنمية المستدامة، وانعدام أي آفاق لتعاون اقتصادي وتقني وعلمي جدي بين البلدان العربية... لن يكون مستغرباً أن تتدهور بشكل أكبر معاني الحكم السياسي المدني ومفاهيمه، لتحل محلها المحسوبيات الشخصية والطائفية، أي أن يترسخ أكثر فأكثر خروج العالم العربي، أو قسم كبير منه، من السياسة الحديثة.