أياً كان الفائز بنتائج الانتخابات التي جرت يوم السبت الماضي في إقليم كردستان العراقي -مع الإشارة إلى أن هذا المقال قد كتب قبل الإعلان عن نتائجها- فإنه ليس مرجحاً أن يقلل من حدة التوترات المتصاعدة بين العرب والأكراد. بل ربما تسهم الانتخابات نفسها في صب المزيد من الزيت على نيرانها. فهناك مخاطر حقيقية من أن يؤدي تصاعد الصراع حول السلطة الدائر الآن بين حكومة كردستان الإقليمية والحكومة المركزية في العاصمة بغداد، إلى نشوب حرب بينهما. ويعود السبب الرئيسي لهذا الصراع الحالي - مثلما كان عليه منذ التسوية السياسية التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، والتي تم بموجبها ترسيم الحدود الفاصلة بين شتى الدول الشرق أوسطية الحديثة، هو تطلع الأكراد المستمر لإدارة شؤونهم بأنفسهم، أي تعطشهم الدائم لنيل استقلالهم السياسي. ولكن تكمن المعضلة في المعضلة الجيوبوليتيكية المحبطة لتطلعات الاستقلال السياسي الكردي هذه. ومن سوء طالع الأكراد وقدرهم أنهم تفرقوا بين دول إقليمية أربع هي تركيا والعراق وإيران وسوريا، وهي جميعها لا تبدي أدنى تعاطف مع نوايا الانفصال الكردي عنها. وتعترض تركيا بصفة خاصة على انفصال إقليم كردستان العراقي مخافة أن يشجع استقلال الأكراد العراقيين أبناء عمومتهم في إقليم الأناضول بشرقي تركيا، لا سيما أن الأكراد يشكلون الأغلبية السكانية فيه. على أن هذا لا يمنع الاعتراف بحقيقة معاناة أكراد العراق تحت كافة الحكومات المركزية في بغداد، خاصة في عهد ديكتاتورية صدام حسين. لكن ومنذ الإطاحة بنظامه وما تبعه من انهيار للدولة العراقية التي أعقبت الغزو الأميركي في عام 2003، شهد إقليم كردستان ازدهاراً اقتصادياً ملحوظاً، تم تعزيزه بالمزيد من الاستقلال السياسي الذي لم يسبق للأكراد أن تمتعوا به في أي وقت مضى. والحق أن حكومة إقليم كردستان، برئاسة مسعود برزاني، تتمتع اليوم بقدر كبير من الحكم الذاتي، ولها برلمانها الخاص بها وكذلك لها مؤسساتها الحكومية ومواردها المالية، بل لها جيشها المؤلف من فصائل البشمرجة المسلحة المثيرة للجدل. وقد سمح الازدهار الاقتصادي الذي حققه الإقليم مصحوباً ومعززاً بالاستقلال السياسي لحكومة الإقليم -التي يتولى إدارتها كل من "الحزب الكردستاني الديمقراطي"، الذي يتزعمه مسعود برزاني، وشريكه "حزب اتحاد كردستان الوطني" بزعامة جلال طالباني- باستخراج النفط وإعادة إعمار البنية التحتية للإقليم، وتشجيع الشركات النامية على الاستثمار، إلى جانب بناء الأبراج العالية والفنادق، فضلاً عن ازدهار المؤسسات الصحفية والإعلامية. وعليه، يمكن القول إن إقليم كردستان لايزال يعتبر حتى الآن أكثر أقاليم العراق سلماً واستقراراً وازدهاراً. وبينما يعرف عن الرئيس مسعود برزاني بقوة نزعته الوطنية الكردية، يبدي نظيره جلال طالباني، رئيس الحكومة العراقية المركزية في بغداد، ميلاً أكبر للتوافق الكردي - العربي. على نقيضه، يسعى برزاني لتمديد حدود إقليمه ليشمل محافظة كركوك المتنازع عليها بين العرب والأكراد والمعروفة بغناها بالموارد النفطية. بل تشمل طموحات برزاني ضم محافظات أخرى مجاورة لإقليم كردستان، لا سيما محافظتي ديالا ونينوى. بيد أن طالباني يبدي حماساً أكبر للتفاوض بين الجانبين من أجل التوصل إلى تسوية بين العرب والأكراد. يذكر أن برزاني قد دخل في نزاعات حقيقية مع حكومة بغداد المركزية بسبب تطلعاته الإقليمية هذه، خاصة مع رئيس وزرائها الحالي نوري المالكي، الذي برز خلال العام الماضي -على رغم خلفياته الطائفية الشيعية- باعتباره شخصية وطنية عازمة على المحافظة على وحدة التراب العراقي ورأب تصدعاته وشقوقه الإقليمية، بما يعيد للعراق وزنه ومكانته في المنطقة. يذكر أيضاً أن الإعلان عن الجدول الزمني لانسحاب القوات الأميركية من العراق، ساهم هو الآخر في تأجيج نيران النزاع بين العرب والأكراد. والسبب هو تزايد قلق الأكراد من انسحاب القوات الأميركية، باعتبارهم الطرف الذي طالما تمتع وأمن لبقاء هذه القوات في العراق. ويدرك الأكراد أيضاً أن تعزيز وإعادة تأهيل قوات الجيش العراقي يهددان بترجيح كفة ميزان القوى ضدهم. ولم تعد المشكلة تنحصر في مدى الاستقلالية التي تتطلع إليها حكومة إقليم كردستان أو مجرد مستقبل محافظة كركوك، إنما يطال الخطر الآن تحديد طبيعة الحكومة العراقية المركزية نفسها. هل تكون حكومة وحدوية، تنهض مجدداً بكامل منعتها وقوتها من تحت رماد ثلاثة عقود من الحروب المستمرة؟ أم تكون حكومة ضعيفة مقطعة الأوصال، يتنافس فيها الأكراد والسنة والشيعة العرب وغيرهم من الأقليات الأخرى على النفوذ السياسي والاستقلال الذاتي؟ كما يجب القول إن لجيران العراق أجندتهم وطموحاتهم الخاصة. فعلى سبيل المثال تود الكويت -التي سبق أن غزاها العراق في عام 1990، والتي يحتم عليها موقعها الجغرافي أن تبقى تحت ظل الجار العراقي- لو أن تكون في بغداد حكومة فيدرالية، لا تمثل لها أي تهديد أمني مستقبلي مثل ذاك الذي حدث في عام 1990. أما إيران، فيسعدها أن تسود في بغداد حكومة شيعية صديقة موالية لها. لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تستعيد بغداد قوتها التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية 1980-1988؛ لأن طهران لا تريد أن تخوض معركة موت أو حياة جديدة على غرار تلك الحرب التي خاضها ضدها صدام حسين. بيد أن الجزء الغالب من العالم العربي يريد للعراق أن ينهض من رماد نيرانه وحروبه، ليصبح أكثر قدرة على الدفاع عن المصالح القومية العربية، ويستعيد مكانته الطبيعية بين دول الأسرة العربية. على نقيض هذه الرغبة بالطبع، تتمنى إسرائيل -التي سبق لها أن تآمرت على العراق مع أصدقائها "المحافظين الجدد" في واشنطن وحرضتهم على شن الغزو عليه، أملاً في تدميره مقابل تعزيز البيئة الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية- لو أن يبقى العراق على ضعفه وانكساره وتصدعه. ولما كانت هذه هي نوايا إسرائيل، فلا ريب أن ظلت تل أبيب على دعمها السري الخفي دائماً للتطلعات الكردية. يذكر أن حركة "جوران" -التغيير- المعارضة الجديدة، التي يتزعمها ناوشروان مصطفى- قد نجحت في تنظيم حملة قوية سابقة لانتخابات السبت الماضي. وكان خوضها لهذه الانتخابات مدفوعاً برغبتها في كسر احتكار حزبي برزاني وطالباني على سياسات الإقليم وإدارة اقتصاده. كما عبرت حركة "التغيير" عن عزمها على مهاجمة ما وصفته بالفساد والأتوقراطية ورأسمالية المحسوبيات الشائعة في الإقليم. وربما تتمكن هذه الحركة من الفوز ببعض المقاعد البرلمانية التي تؤهلها لأن تكون صوتاً معارضاً قوياً داخله، إلا أنه لن يكون في مقدورها فعل أكثر من ذلك لتغيير بنية السلطة القائمة في الإقليم. والسؤال الذي نطرحه أخيراً: هل يشعل الانسحاب الأميركي نيران حرب أهلية بين العرب والأكراد؟ إن في وسع الأمم المتحدة والرئيس الأميركي باراك أوباما حمل الطرفين على الجلوس إلى مائدة التفاوض على خلافاتهما؟ يقيناً، فإن آخر ما تحتاجه المنطقة اندلاع حرب جديدة فيها.