انتهينا في المقال السابق الذي ختمنا به تحليلنا لـ"خطاب أو باما" الموجه من القاهرة يوم 4-6-2009 إلى العرب والمسلمين، انتهينا إلى أن هذا الخطاب يؤول عند نهاية التحليل إلى دعوة العرب والمسلمين لمزيد من "التنازل"، ليصبح في الإمكان الاستماع إلى صوتهم -في أميركا والعالم الغربي جملة- والنظر بشيء من التفهم لقضاياهم وشكواهم. وكان المخاطب المباشر بهذا الكلام هم الفلسطينيون (وبالتحديد المقاومة) والعرب المتمسكون بالمبادرة العربية كسقف أعلى لـ"التنازل" من جهة، و"القيادات الدينية" في كل من إيران وأفغانستان من جهة أخرى. والمطلوب الأميركي من هذه الأطراف الأربعة هو التخلي عن "التطرف العنيف بجميع أشكاله". لقد تجنب خطاب أوباما استعمال لفظ "الإرهاب" ولكنه لم يفصل بينه وبين المقاومة، بل اعتبره أحد أشكال ما دعاه بـ"التطرف العنيف". وإذن فالمطلوب الأميركي واضح، وهو "التخلي عن المقاومة المسلحة" كوسيلة لكسب القضايا. إن الإدارة الأميركية -مثلها مثل الحكومات العربية وغيرها- قد تقبل "العنف في القول" من خصومها، في فلسطين وإيران وأفغانستان... إلخ، ولكنها لا تقبل "العنف في الفعل"، حتى ولو كان ذلك من أجل تنفيذ القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة، وحتى لو كان ذلك احتجاجاً -على إسرائيل مثلاً- على عدم تنفيذها لتلك القرارات! وإذا كان ذلك كذلك، فما العمل إذن؟ أعتقد أن موضوع "التنازل العربي" في الصراع مع إسرائيل يستحق أن يكون موضوعاً للدراسة، ليس فقط ليتعرف العرب أنفسهم على "تنازلاتهم" بل أيضاً لإطلاع العالم عليها وعلى مبرراتها ونتائجها. وما جعلني أطرح هذا الموضوع الآن ليس "خطاب أوباما" فحسب، بل أيضاً "خطاب إسرائيل". ذلك أن مطلب التنازل في خطاب أوباما مطلب عام، ويكاد ينحصر فيما أسماه "التطرف العنيف". أما مطلب التنازل في الخطاب الإسرائيلي فمفصّل ومتعدد. وإذا نحن قرأنا المطلبين معاً على ضوء التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، سهل علينا إدراك ما ينطوي عليه المطلب الأميركي. أنا لا أنوي هنا عرض أنواع التنازل التي قدمها العرب منذ سنة 1947 ولا تواريخها وظروفها، ومبرراتها وإكراهاتها، فذلك ليس من اختصاصي بل هو من اختصاص الجامعة العربية. فعسى أن تقدم لنا هذه الجامعة يوماً "كتاباً أسود" في هذا الموضوع. ما أُريد لفت الانتباه إليه هو جملة التنازلات التي تطلبها إسرائيل من العرب (على لسان نتانياهو أو غيره من المسؤولين) كمقابل لما قد تلبيه من مطالب عربية. ومن هذه التنازلات ما يلي: 1- قيام العرب أولاً بفتح أجوائهم للطائرات الإسرائيلية. وهذا مطلب "فيه ما فيه" ومن جملة ما فيه إظهار إسرائيل أمام الرأي العام الدولي بمظهر "المظلومة"، و"المحاصرة"! ذلك أن من يسمع هذا المطلب من غير العرب والمسلمين، وأينما كان على سطح الأرض، سيندهش لكون الطائرات الإسرائيلية المدنية لا يسمح لها بالطيران في أجواء العالم العربي. وهكذا ينقلب هذا التنازل من العرب إلى حق من حقوق إسرائيل في نظر "المجتمع الدولي" وغير الدولي. وما تريده إسرائيل من هذا المطلب ليس التمتع منذ الآن بـ"حق الملاحة الجوية" وتنظيم رحلات إلى الأقطار العربية بل أيضاً تقديم نفسها كطرف مظلوم "محاصر". 2- فتح سفارات لإسرائيل في جميع الدول العربية. 3- أن يعترف العرب ليس فقط بدولة إسرائيل بل أيضاً بيهوديتها. والاعتراف بيهودية إسرائيل يعني إلغاء حق تعترف به قرارات الأمم المتحدة للفلسطينيين المهجرين، حق العودة أو التعويض. هذا علاوة على أن "يهودية إسرائيل" تسقط من الحساب إمكانية قيام "دولة واحدة ديمقراطية لجميع العرب والمسيحيين واليهود"... إلخ. 4- فسح المجال لإسرائيل لـ"تنشيط الحياة الاقتصادية" في الضفة والقطاع؛ لأن ذلك –في زعم إسرائيل- هو ما سيصرف الفلسطينيين عن "التطرف العنيف"، ليس فقط لأن هذا النوع من التطرف ينسب للفقراء، بل أيضاً لفتح شهية الأغنياء... 5- اعتراف جميع الفصائل، خاصة المقاومة منها، بدولة إسرائيل كشرط مسبق للتفاوض حول "الوضع النهائي" للضفة والقطاع. 6- سحب موضوع انسحاب إسرائيل من القدس الشرقية كما كانت عام 1967، من لائحة المسائل المتفاوض عليها، وإحالة مشكلة اللاجئين على الدول العربية، لإسكانهم فيها أو تكديسهم في الضفة والقطاع وتحمل تكلفة تعويضهم. 7- فتح أبواب البلاد العربية لـ"الإبداع الإسرائيلي" الاقتصادي والتكنولوجي، وبالتالي للهيمنة السياسية. ومقابل هذه الشروط الإسرائيلية، التي لا يمكن حصرها؛ لأنها تتناسل مع الظروف، تقدم إسرائيل للفلسطينيين: دولة ذات حدود مؤقتة، منزوعة السلاح، "تتمتع باستقلال داخلي"... إلخ، أي شبه دولة لا تتوافر فيها شروط الانضمام إلى الأمم المتحدة. وإذا نحن أردنا إيجاز مضمون الشروط الإسرائيلية في عبارة واحدة، قلنا إن ما تطلبه إسرائيل من العرب هو وضع حد نهائي وكامل لمقاطعتهم لها -أو لما تبقى منها- والاعتراف بها كدولة إقليمية لها من الشرعية الإقليمية والدولية ما لغيرها. وبالتالي الاعتراف التام بها بوصفها كذلك، الشيء الذي لن تتمتع به "شبه الدولة الفلسطينية" التي تقترحها إسرائيل. هل يقبل العرب هذا الوضع؟ هل يقبله الفلسطينيون؟ الجميع يقول "لا...". ولكن وراء هذا النفي، ومكان النقاط الثلاث: ألف ألف "لكن"! لا أُريد أن أخوض في الوضع العربي الآن الذي يفرز هذه الـ"نعم، ولكن..." أو "لا، ولكن...". لكني أؤكد حقيقة أن السلاح الوحيد والفعال، في يد العرب بمن فيهم الفلسطينيون، هو سلاح المقاطعة. لقد أحاطت إسرائيل نفسها بجدار عازل ضد الفلسطينيين فليجعل منه الفلسطينيون في الضفة والقطاع والعرب في كل مكان على سطح الأرض جداراً عازلاً لإسرائيل، وليعملوا على أن يمتد العزل إلى أفريقيا وآسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية إلى أن تعترف بالشرعية الدولية المتمثلة في قرارات مجلس الأمن الصادرة على الأقل منذ 1967، وتعمل على تنفيذها. هذا هو "سلاح المقاومة" الحقيقي. أما صواريخ الفلسطينيين أو صواريخ العرب جميعاً فهي أضعف بدرجات لا تقاس من صواريخ إسرائيل. وأما "القنابل البشرية"، فتأثيرها محدود في الزمان والمكان، هي "شرارات" لا تتوقد حتى تنطفئ... وهذا كان حالها في التاريخ البعيد والقريب، سواء في العالم العربي أو في غيره من الأقطار والبلدان. إن تنظيمات "العمل المسلح" مثلها مثل "التنظيمات السرية" جملة، في جميع أنحاء العالم، تتحول بسرعة إلى عبء على من أنشأوها، عبء مالي وأخلاقي وعسكري، ما لم يعملوا على إعادة إدماجها في المجتمع، وهذا "دونه خرط القتاد"! وفي معظم الأحوال تتدحرج الأمور إلى ما يعبر عنه بالقول: "الثورة تلتهم أبناءها". إن "التنظيم السري" من طبعه أنه مستعجِل، لا يتحمل الانتظار طويلًا، مثله مثل حامل البندقية بين يديه وأصابعُه على الزناد... إنه لا يستطيع أن يبقى هكذا دون أن يطلق النار، أمامه أو خلفه، أو لجهة اليمين أو اليسار! سلاح المقاطعة وحده يجدي في المسألة الفلسطينية... قد يرى البعض نتائجه بعيدة! ولكن هل جاءت "الوسائل" الأخرى بنتائج... قريبة أو بعيدة. هناك نتيجة واحدة بارزة سلبية مع الأسف، وهي انقسام الصف الفلسطيني. وفي هذا المجال، أسلم أن "أهل مكة أدرى بشعابها"، ولكني أُضيف حقيقة لم يعد يخفيها غربال: وهي أن إخواننا في فلسطين يكررون ما حدث في بلاد أخرى، يتصارعون حول موضوع واحد: "من ستكون له (الكلمة) في فلسطين المستقلة". وأعتقد أن خطورة هذا الصراع بين الفلسطينيين قد حدثت وتحدث قبل أن يحين الأوان. يقول المثل المغربي: "حتى يزيد (يولد) ونسميه سعيد". المولود لم يولد بعد، فلتترك التسمية جانباً. وهذا ما حل مشكلة الصراعات الداخلية في الثورة العباسية، خاصة بين العلويين والعباسيين، حول من سيتولى الخلافة بعد نجاح الثورة. لقد اهتدوا إلى حل سحري فرفعوا شعار "الرضا من آل محمد"، أي يتولاها بعد نجاح الثورة من نرتضيه من آل محمد (وآل محمد هم العباسيون والعلويون). كلمة أخيرة: من الأخطاء القاتلة في الثورات: 1- أن يحاول البعض الجمع بين شرف المعارضة وامتيازات الحكم. 2- إن الحكومات، وفي مقدمتها حكومات العالم الغربي وإسرائيل، لا أصدقاء لها، إن أصدقاءها هم من ترى فيهم مصالحها، سواء أكانوا يساراً أو يميناً، معتدلين أو معاندين.