أصبح في العراق الآن نوعان من القنابل أولهما يودي بحياة البشر، والثاني يودي بحياة السياسيين، فلم يعد المقاومون أو الإرهابيون، أياً كانت تسميتهم حسب الموقف السياسي والفكري لكل منا، هم الذين يلقون وحدهم بهذه القنابل، ولكن الإدارة الأميركية دخلت الساحة بقنابل سياسية من العيار الثقيل، ففي يوم الجمعة الماضي أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن اتصالات جرت في إطار جهود المصالحة مع المقاومين السنة في العراق، وبعلم الحكومة العراقية. وقال المتحدث باسم "الخارجية" الأميركية "يلتقي مسؤولون أميركيون عسكريون ودبلوماسيون بانتظام عدداً كبيراً من العراقيين لتشجيع جهود المصالحة وتحقيق الوحدة الوطنية"، وأضاف أن "الاجتماعات المشار إليها التي تم إبلاغ مسؤولين في الحكومة العراقية بحصولها جرت قبل شهور"، وأكد أن الولايات المتحدة لم تسع بأي شكل إلى إضعاف الحكومة العراقية. وقد سبب إلقاء هذه القنبلة صدمة للحكومة العراقية على حد قول هوشيار زيباري وزير الخارجية فيها، ووجه الصدمة دون شك أن التصريحات الأميركية قد قوضت صدقية الحكومة العراقية لحساب "المجلس السياسي للمقاومة" في العراق الذي كان الناطق باسمه (علي الجبوري) قد أكد في إحدى الفضائيات العربية الشهيرة منذ مدة قصيرة وجود مفاوضات وتوقيع بروتوكول في شأن ذلك مع الأميركيين، وقال الجبوري إن "الحكومة العراقية أبلغت بالمفاوضات من طرف الأميركيين، وطلبت منهم المشاركة فيها، وهو ما رفضته المقاومة". وأضاف أن "محاور تلك المفاوضات ركزت على المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وإعادة المهجرين وإعمار العراق والاعتذار للشعب العراقي وتعويضه مادياً ومعنوياً، وأن الأميركيين طالبوا بالمقابل بوقف إطلاق النار وإنهاء العمليات العسكرية ضدهم". وقد أربكت تصريحات الجبوري الحكومة العراقية كثيراً، وانقسمت صفوفها ما بين منكر لحدوث هذه الاتصالات وقائل إن الحكومة ستستفسر من السفارتين الأميركية والتركية في بغداد حول الموضوع، وجاءت التصريحات الأميركية لتؤكد ما قاله الناطق باسم "المجلس السياسي للمقاومة" من أن الحكومة العراقية كانت تعرف، وإن كان لم يصل إلى حد تأكيد ما قاله الجبوري من أنها طلبت المشاركة في الاتصالات، لكن المقاومة هي التي رفضت ذلك. وفي هذا الحدث دروس كثيرة لعل أهمها أن الخارج لا يقيم وزناً إلا لمصلحته، وأن نظرته لحلفائه أو أصدقائه تبنى على مدى النفع الذي يجنيه من ورائهم، ولذلك فإن كل لاعب في الساحة السياسية عليه أن يؤسس قوته على قاعدة داخلية أساساً وليس على قاعدة خارجية. ويطرح الحدث أيضاً أفكاراً مفيدة حول الطريقة التي تفكر بها الإدارة الأميركية في الخروج من العراق، وكذلك حول مستقبل العراق بعد هذا الخروج، وهل تسلم الإدارة الأميركية الحكم إلى تشكيلة سياسية جديدة تفرزها الانتخابات القادمة على ضوء حسابات القوة الداخلية لأطراف اللعبة السياسية وانفتاح الإدارة الأميركية على هذه الأطراف كافة، واحتمالات تطور الصراع السياسي في العراق بعد الخروج الأميركي ما بين السقوط السريع للتحالف الحاكم حالياً، أو نشوب صراع متوازن أو شبه متوازن بينه وبين خصومه، أو نجاحه في القضاء على هؤلاء الخصوم، وهذا الاحتمال الأخير مستبعد تماماً علماً بأن المصالحة بين الطرفين مستبعدة أيضاً، على الأقل في المدى القصير لوقوفهما على طرفي نقيض. أما في المدى المتوسط، فقد يؤدي عجز أي طرف عن القضاء على الآخر إلى تسوية ما. وأخيراً، فإن الحدث يقدم مؤشرات مفيدة عن الدور التركي الذي يسعى حثيثاً إلى موازنة الدور الإيراني في منطقة شديدة الحساسية للمصالح التركية. غير أن الدلالة المهمة التي تسعى هذه السطور إلى التركيز عليها تتعلق بالسياسة العربية، فمن المعروف أن الدول العربية بعد أن كانت قد رفضت التدخل الأميركي في الشؤون العراقية، ودانت الغزو الأميركي للعراق، قد صمتت تماماً بعد سقوطه في براثن الاحتلال الأميركي في أبريل 2003، ولم تدع إلى قمة طارئة للنظر في مستجدات الأمن القومي العربي بعد الاحتلال، علماً بأن القمم العربية الطارئة قد عقدت قبل احتلال العراق لأسباب أقل أهمية بكثير. لكن ثالثة الأثافي تمثلت في اعتراف الدول الأعضاء في الجامعة العربية في سبتمبر 2003 أثناء انعقاد المجلس الوزاري للجامعة بممثل حكومة العراق تحت الاحتلال ممثلاً شرعياً للعراق في الجامعة. صحيح أن الدول العربية قد وصفت اعترافها آنذاك بأنه "مؤقت"، وصحيح أيضاً أنها اشترطت على ممثل العراق أن يأتي إلى الاجتماع التالي في مارس 2004 بوثيقتين عن تقدم العملية السياسية في العراق وبرنامج زمني لانسحاب القوات الأميركية، إلا أن هذا لم يحدث، وبقي "الاعتراف المؤقت" حتى هذه اللحظة. وكان المهم فيما سبق أن الدول العربية باعترافها هذا قد أقامت حاجزاً قانونياً وسياسياً بينها وبين كافة القوى الرافضة للاحتلال في العراق، سواء كانت مقاومة مسلحة أو معارضة سياسية؛ لأنه لا يمكنك وفق القانون الدولي ومواثيق المنظمات الدولية أن تتدخل في الشؤون الداخلية لغيرك من الأعضاء، وهكذا بدأت خيوط اللعبة تفلت من الأيدي العربية طالما أنها قطعت اتصالاتها تماماً بقوى فاعلة في العراق لا يمكن حل الصراع فيه دون مساهمتها في صيغة الحل، فيما أخذت دول أخرى على رأسها إيران بطبيعة الحال تتغلغل في الجسد العراقي بشتى تفاصيله مستغلة في هذا علاقتها الطيبة بحكام العراق الجدد. ولقد كتبت في هذه الصفحة منذ عدة سنوات في ضوء الفشل الذي تأكد في حينه للسياسة الأميركية في العراق أطالب الدوائر العربية المسؤولة بأن تحدث تغييراً في سياستها تجاه ما يجري في العراق، ولم يكن من شأن هذا التغيير بالضرورة أن يغضب الإدارة الأميركية آنذاك، أو يفضي إلى الصدام معها، بل إنه على العكس كان سيقدم خدمة جليلة لها، وكذلك للعراق والنظام العربي، بأن يساعدها على وقف نزيف الخسائر البشرية والمادية في العراق، ويعود به إلى طريق الاستقلال، ويخلص النظام العربي من التداعيات الخطيرة لاحتلال العراق. لكنّ أحداً لم يشعر فيما يبدو بأن الحاجة إلى التغيير ماسة، وظل هذا الشعور سائداً حتى عندما بدا واضحاً أن سياسة بوش الابن تترنح بشدة في العراق، وأن الاختلاف مع إدارة بوش لن يصيب أحداً بأي ضرر طالما بات من شبه المؤكد أن خليفته سيحدث قطيعة بدرجة أو بأخرى مع سياسته تجاه العراق. وقد ظلت الدوائر العربية المسؤولة في ترددها -وربما غفلتها- عن ضرورة تغيير سياساتها في العراق إلى أن بادرت الإدارة الأميركية الجديدة بذلك، فباغتت الحكومة العراقية والنظام العربي بهذا التحرك الذي يؤكد قدرتها على التصحيح من ناحية، وجمود السياسات العربية من ناحية أخرى. وإذا كانت الفرصة العربية في تشكيل مستقبل العراق قد ضاعت تماماً، فهل تعي الدوائر العربية المسؤولة دروس ما حدث في العراق كي تصحح سياساتها قبل فوات الأوان تجاه قضايا عربية أخرى لا تقل خطورة بحال عما يجري في بلاد الرافدين؟