زار رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي واشنطن خلال الأسبوع الحالي، بهدف التشاور مع الرئيس الأميركي والقادة العسكريين والمسؤولين السياسيين، إثر مضي ثلاثة أسابيع على بدء نفاذ "اتفاقية وضع القوات الأميركية في العراق". وفي اليوم نفسه، أفادت التقارير الإخبارية عن ازدياد التوتر بين الأميركيين الذين يفترض أن تخلي قواتهم المقاتلة العاصمة بغداد وبقية المدن العراقية الرئيسية الأخرى، بحلول نهاية شهر يونيو المنصرم من جهة، وقوات الجيش والأمن العراقية التي يفترض فيها أن تتولى المهام الأمنية التي كان يقوم بها الأميركيون، من جهة أخرى. ويشكو القادة العسكريون الأميركيون من إجراء السلطات العراقية خفضاً كبيراً للدوريات الأمنية المشتركة مع القوات الأميركية. وعلى رغم أن الافتراض هو أن تستمر هذه الدوريات المشتركة، إلا أن بعض القادة السياسيين والعسكريين العراقيين بدأوا يشيرون إلى عدم حاجتهم إليها، على حد تصريح ضابط عسكري أميركي نشرته "وول ستريت جورنال" مؤخراً. كما أبلغ القادة العسكريون العراقيون نظراءهم الأميركيين بعدم إجراء أي دوريات عسكرية، أو مداهمة أي مبانٍ أو منازل عراقية يعتقد وجود مشتبه بهم فيها، دون تنسيق مسبق مع القوات العراقية. وذكر دبلوماسي أجنبي مقيم في بغداد، أن العراقيين عازمون على أن يظهروا بصفة المهيمن على كل شيء، في إطار الاستعداد للانتخابات الوطنية المرتقبة في العام المقبل. ومن ناحيته، يقول وزير الدفاع الأميركي روبرت جيتس إن الوضع في العراق ليس سيئاً، على كل حال. غير أن عدد الهجمات شهد ارتفاعاً كبيراً خلال الأيام القليلة الماضية، بينما يرى مراقبون للأوضاع هناك، أن على الحكومة العراقية، التي تغلب عليها العناصر الشيعية والكردية، أن تفعل المزيد من أجل التوصل إلى مصالحة وطنية مع السنة وهم الفئة الحاكمة سابقاً، إن كان للعراق أن يتفادى اندلاع حرب أهلية طائفية جديدة. ويلاحظ أن رئيس الوزراء يتلاعب بـ"الكرت" الوطني، وهو "كرت" خطير للغاية في ظل وجود نزعات وطنية مشابهة لدى الأقلية السنية، مصحوبة بالكثير من التظلمات التي ترفعها. بل يتعين القول إن لأميركا نفسها يداً تلعبها في هذه التوترات العراقية الداخلية، بالنظر إلى استمرار وجود 130 ألف جندي من جنودها المقاتلين هناك، على رغم وعد الرئيس أوباما بانسحابهم، وعلى رغم تصاعد مطالبة الأميركيين بعودتهم، إلى جانب ديماغوجية اليمين الأميركي المتطرف، الذي سينظر إلى أي إخفاق قومي باعتباره خيانة عظمى للوطن. ومهما يكن، فليست هذه هي النهاية التي أرادتها واشنطن لحربها في العراق. فقبل ستة أعوام إثر اندلاعها، كان الأمل أن تفضي الحرب إلى تنصيب حكومة تعددية ديمقراطية في بغداد، قصد منها أن تكون حليفة. وكان القصد أيضاً أن يكون العراق موقعاً لقاعدة عسكرية أميركية استراتيجية، إلى جانب تحوله إلى لاعب أساسي يحمل القيم الديمقراطية إلى بقية منطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى كونه مورداً دائماً وآمناً لصادرات النفط إلى الولايات المتحدة. ولكن لم يتحقق أي من هذه الأهداف في واقع الأمر، ليتضح أن طهران هي المستفيد الأعظم من الحرب التي شنتها واشنطن. ومن هنا نتجه إلى جبهة الحرب الثانية في كل من أفغانستان وباكستان. وهنا أيضاً ساد الافتراض بوجود مهام وواجبات محددة يمكن إنجازها مباشرة: طرد عناصر "طالبان" من أفغانستان إلى ملاجئهم في منطقة القبائل الواقعة على الشريط الحدودي المشترك مع باكستان. وهناك وبدفع ومساعدة الأميركيين للجيش الباكستاني، سيستطيع هذا الأخير هزيمتهم وتجريدهم من أسلحتهم. وبذلك تتمكن إسلام آباد من فرض سيطرتها على المنطقة بأسرها، جنباً إلى جنب مع النجاح الذي تحققه قوات "الناتو" والقوات الأميركية في أفغانستان. ولكن ما يحدث فعلياً على أرض الواقع ليس مفاجئاً لأحد. فإسلام آباد تواصل البحث عن مصالحها الوطنية الخاصة، كما تفهمها وتحددها هي وليس كما تحددها واشنطن. ويعني هذا أن الجماعات الراديكالية الدينية المتطرفة التي تتألف منها حركة "طالبان" وغيرها من الحركات المحلية الأخرى، شكلت في يوم ما رصيداً استراتيجياً لا غنى عنه لإسلام آباد في نزاعها الطويل مع جارتها الهند، سواء كان ذلك من أجل الدفاع عن أمنها الوطني، أو لأسباب ذات صلة بإقليم كشمير الذي تقطنه أغلبية مسلمة، وتدّعي نيودلهي تبعيته لحدودها السياسية. كما كانت حركة "طالبان" ذات أهمية كبيرة بالنسبة لإسلام آباد التي تبدي حرصاً على إبعاد أفغانستان من دائرة النفوذ الخارجي المعادي لها، إلى جانب أهميتها في تخطيط باكستان الاستراتيجي بعيد المدى، الرامي للتأثير القوي على أفغانستان، ضماناً للمزيد من العمق الاستراتيجي، خاصة أنها دولة ذات أغلبية مسلمة يمكن أن تكون عوناً لها في مواجهة خصمها الهند. ولمن يجيد قراءة السطور من بين المراقبين والمحللين، فقد عبرت إسلام آباد صراحة عن رفضها لوجود أي قوات أميركية داخل أراضيها، زيادة على رفضها لما يسمى بالأضرار الجانبية المصاحبة لعمليات قصفها الجوي الذي يودي بالكثير من المواطنين الباكستانيين الأبرياء. بل إن في تصريحات إسلام آباد الأخيرة ما يشير بوضوح إلى اعتبارها لحرب واشنطن الجارية في أفغانستان، عبثاً ودماراً لا معنى لهما. والأهم من ذلك كله في هذه التصريحات هو أن تداعيات الحرب هذه، هي ما يجب على باكستان حماية أمنها الوطني ضده. ويزداد يوماً بعد آخر اعتقاد الرأي العام الأوروبي، بأن حرب أميركا الدائرة حالياً في أفغانستان، هي نسخة جديدة من حرب فيتنام. والحقيقة أنها أسوأ من حرب فيتنام بكثير، من وجهة نظري الخاصة. وما يدعوني إلى هذا القول هو أن الحرب ضد "طالبان" هي حرب أفكار ضد عدو أيديولوجي شرس -لا صلة له بالحكومات ولا بالجيوش النظامية- ثم إنه عدو متمرس حول نزعته الدينية المتطرفة، وكراهيته التي لا حدود لها لأميركا وقيمها. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيس"