لا شك أن خبر قيام السلطات المصرية بإلقاء القبض على ثلاثة إماراتيين في مطار الإسكندرية، أثناء إقدامهم على نقل أموال تبرعات جمعت لضحايا العدوان الإسرائيلي على غزة وتسليمها إلى عناصر من تنظيم "الإخوان المسلمين" في مصر، أمر يثير الدهشة والاستغراب. وهو عمل مستهجن بكل المقاييس، لأن من أقدموا عليه أناس استغلوا كونهم مواطني دولة تتمتع باحترام وثقة دول العالم أجمع، ليقوموا بتهريب أموال مشبوهة. والحدث، في حيثياته وخلفياته، يثير تساؤلات خطيرة، حول ملابسات نقل هذه المبالغ التي لا يعرف أحد كيف تم جمعها أصلاً، ولا في أي اتجاهات أو ظروف سيتم صرفها. هذا مع أنها مبالغ ضخمة، ومن عملات متنوعة، وتنقل بطريقة غريبة، وغير قانونية، لتصل أولاً وأخيراً إلى تنظيمات مشكوك في أهدافها وأجندتها. وهو خبر لم يألف الإماراتيون وقوع أشباهه وأمثاله من بني جلدتهم، ويحمل في طياته نذر خطر جسيم فاحت وستفوح رائحته. والراهن أن هؤلاء الأشخاص ضربوا عرض الحائط بكل ما تحقق للإمارات ومواطنيها من سمعة طيبة، تلمس وترى من واقع تعامل سلطات المطارات في دول العالم أجمع، مع مواطني هذا البلد الآمن. وهو تعامل نحسد عليه، وإن كان يُخشى أن يتأثر مستقبلاً، بسبب تصرفات مشبوهة، بل إجرامية كهذه. ولاشك أن السؤال الأحرى بالإجابة الآن هو: كيف جمعت أصلاً هذه الأموال؟ وتحت أي عنوان؟ وماذا قيل للمتبرعين والمحسنين عن أوجه إنفاقها، أو هوية المستفيدين منها؟ ولماذا، وتحت أية مبررات، سوغ هؤلاء لأنفسهم أصلاً مثل هذا التصرف المشبوه، علماً بأن الهلال الأحمر الإماراتي كان قد أطلق حملة للتبرعات لصالح غزة، ووصلت إلى مستحقيها أمام أعين الجميع، وبالصوت والصورة؟ أم أن تلك المنظمات والتنظيمات المشبوهة والمنتسبون إليها دأبوا على استغلال مآسي الأمة، في جمع أموال وتبرعات لا يعلم أحد مستقرها ولا مآلها، إلا هم ومن يمسكون برُزم أجنداتهم المظلمة؟ إن ما جرى من تصرف شائن من قبل تنظيم "الإخوان المسلمين" ليس أقل من استغلال سياسي رخيص لمحنة غزة وأهلها. كما أنه ليس لما أقدم عليه الإماراتيون الثلاثة من اسم سوى أنه خيانة للأمانة والوطن. فالدولة لا تدخر جهداً في تقديم العون للمنكوبين في كافة أنحاء العالم، وخير عطائها العميم لا يدع لأحد فرصة لأن يزايد على دورها في إغاثة الملهوفين، ومد يد العطاء لكل من ألمت به كارثة، أو تعرض لضيم أو عدوان. وتفعل كل ذلك بجهود سلمية وفي أطر إنسانية راقية ومعلنة يقر بها القاصي والداني، وتترك لدى شعوب المنطقة والعالم حباً صادقاً للإمارات وقيادتها وشعبها. ولكن، هل يغفر هؤلاء لأنفسهم إقحام اسم الإمارات في أجندات تنظيمات وأحزاب سياسية غير مشروعة، ترتدي عباءة الدين، والدين منها براء؟ ثم، أليس في مثل هذه الحماقة الرعناء لعباً بعواطف المتبرعين، وخداعاً وخيانة لهم؟ فمثلما أن الأموال لا يعرف أحد طريقة جمعهم لها، ولا حقيقة الأهداف التي كانوا ينوون تحقيقها بها، ها هي تتكشف عن ممارسة مشينة ومسيئة، بكل المقاييس؟ أما الأمر الواضح في كل هذا فهو أنه ليس في أجندتهم مصلحة دولة الإمارات العربية المتحدة، فهم بعيدون كل البعد عن هذه المصلحة، ولا يضعون في اعتبارهم مصلحة الوطن أو المواطن الإماراتي، الذي بنى سمعة يفتخر بها بين شعوب المنطقة والعالم، فها هم برعونتهم يسيئون إلى هذه السمعة، ويشوهون صورة الوطن، ويفرطون في ثقة يندر حيازة مثلها في المنطقة العربية جمعاء. إنهم كرسوا ولاءهم العابر للحدود لخدمة تنظيمات هلامية أجندتها لا تقيم اعتباراً لوطن، ولا تراعي مصالح شعب. إنهم يهدمون ولا يبنون، ويستغلون كوارث الشعوب، في أجندة مسيّسة، لا يعرف أحد أهدافها ولا مراميها. ولو فكر هؤلاء لبُرهة في اسم الإمارات ورصيد شعبها وقيادتها في المنطقة من ثقة واحترام، لما أقدموا على هذه الفعلة الرعناء، التي طرحوا من خلالها صورة الوطن وإنجازاته في مواقع الشبهات والجريمة والتنظيمات الظلامية التي لا تؤمن بوطن ولا تحترم مصالح شعب. إنها جريمة حمقاء ليس إلا، وإجحاف ببلد يسطع اسمه كل يوم على ساحات العطاء والأمل والخير. إن أجندة هؤلاء تعصف بمصالح الوطن، وتسيء للصورة الجميلة والبريئة، التي انطبعت في مخيلة وقلوب الناس عن هذا الوطن المعطاء، وهي صورة تستدعي في الأذهان صور السباق لمد يد العون للمحتاجين. حمى الله الإمارات من رعونة المتاجرين بقضايا الأمة، الذين يهدمون الأمل ويستحلون سمعة البلاد ومصالحها، دونما إحساس بذنب، أو إقرار بخطيئة.