"مالك شبل" باحث أنثربولوجي فرنسي (من أصل جزائري) غزير الإنتاج... أصدر مؤخراً ترجمة لمعاني القرآن الكريم باللغة الفرنسية مع معجم للاصطلاحات القرآنية، ذهب فيه إلى تجديد دعوته "لإسلام أنوار" بديل من الإسلام الأرثوذكسي، الذي اعتبر أنه يتأسس على مفهوم الطاعة والانقياد، بدلاً من فكرة الحرية التي هي معيار العصور الحديثة. يكرر مالك شبل بهذا الحكم تصوراً رائجاً في الكتابات الغربية الراهنة حول الإسلام، له جذوره القديمة في الدراسات الاستشراقية التقليدية. وفق هذه الرؤية، تبلورت فكرة الحرية في السياق الغربي وحده عبر محطات ثلاث هي: - اللحظة اليونانية التي ظهرت فيها الممارسة الديمقراطية القائمة على الحوار العمومي المعقلن. - اللحظة الوسيطة التي ارتبطت باللاهوت المسيحي في قوله بالتجسد الذي يعني عملياً تكريس مركزية الإنسان وإعلاء حريته بنبذ تعالي الإلوهية ومفارقتها للبشري (لاهوت توماس الإكويني). - اللحظة الحديثة التي شهدت انبثاق الذاتية أفقاً للفكر ومرجعية للمعرفة وللممارسة السياسية، بدءا بكوجيتو ديكارت (الأنا أفكر) انتهاء بنظريات العقد الاجتماعي، ومنظومة حقوق الإنسان، والممارسة الديمقراطية التعددية بمقاييسها الحالية. ويذهب البعض (على غرار المستشرق برنارد لويس) إلى اعتبار أن المفهوم المقابل للحرية في التقليد الإسلامي هو العدل من حيث هو "إعطاء كل ذي حق حقه"، في حين يقوم التقليد البوذي – الكونفوشوسي على مقولة "الانسجام" بما تعنيه من أولوية النظام والتشابك والتوازن على القطيعة والاختيار والتحول . والواقع أن الأدبيات الإسلامية الرائجة، تدعم في الغالب هذه المقاربة من خلال فكرتين: تراثية قديمة وحديثة جديدة. أما الفكرة التراثية، فهي حصر مبحث الحرية عقدياً وفقهياً في الأبعاد الميتافيزيقية والأخلاقية والقانونية، أي علاقة الفرد بالكون والصيرورة وبالآخر (إشكالات الجبر والاختيار والتكليف...). وأما الفكرة الحديثة التي تؤكدها الإيديولوجيات الإسلامية المعاصرة، فهي مقولة "شمولية" الإسلام من حيث هو تقنين دقيق وتفصيلي لنمط الوجود الإنساني في أبعاده الفردية والجماعية. وما تحجبه الفكرة التراثية هو دوائر الانعتاق والتحرر الموضوعية في التجربة التاريخية الإسلامية الوسيطة، التي لا يتسنى ضبطها بالأدوات الكلامية والفقهية. لقد رصد بعض هذه الدوائر المفكر المغربي المرموق في كتابه "مفهوم الحرية" الصادر في مطلع الثمانينيات، ملاحظاً أن ثمة "تخارجاً بين مفهوم الحرية ومفهوم الدولة في المجتمع العربي الإسلامي التقليدي. كلما اتسع مفهوم الدولة ضاق مجال الحرية. كانت الدولة مستبدة ومناهضة للحرية الفردية، لكن الدولة كانت ضعيفة، وكان مجالها ضيقاً جداً... إذا نظرنا إليها في واقعها التاريخي، سنجد أن مجالات واسعة تنفلت من وطأتها، وبالتالي يحافظ الفرد في تلك المجالات على حرية أصلية". وإذا كان العروي قد توقف عند أربعة مجالات من دوائر الحرية في السياق العربي الوسيط، هي البداوة والعشيرة والتقوى والتصوف، فإن البحث الانثربولوجي والتاريخي في العقدين الأخيرين قد طور أطروحة كاملة حول دور وأهمية "المجتمع الأهلي" في حماية الفرد من قبضة الدولة الإسلامية الوسيطة (راجع أعمال عبدالباقي الهرماسي ووجيه كوثراني وعبدالله حمودي....). بيد أننا نعتقد أن الظاهرة لا تفسر بمحض العوامل التاريخية الظرفية (هشاشة المعادلة السياسية للدولة العصبية أو السلطانية)، وإنما تفسر بعامل عقدي محوري هو رفض الإسلام الجذري لفكرة الدولة المجسدة للرباط الجماعي المشترك وللهوية العقدية للجماعة، (أي التماهي بين الدولة والأمة)، مما يفضي بالضرورة إلى إضعاف سطوتها والسماح بهامش واسع لحرية الأفراد. ومن الخلف البناء على الأطروحات الكلامية والفلسفية، لاستنتاج خلاصات نظرية مكتملة حول موضوع الحرية في الإسلام. ومثال ذلك قراءة نظرية "خلق الأفعال" الاعتزالية كتأكيد لمفهوم الحرية الذاتية، في مقابل الجبرية الأشعرية، في الوقت الذي يكرس هذا المفهوم جبرية كونية قاهرة لا تخرج عنها الإرادة الإلهية نفسها، بالنظر لوجوب التزام الأصلح العقلي على الخالق والمخلوق معاً. كما أنه من الوهم استنتاج المقاربة الحديثة حول العلاقة بين العقل والحرية في كتابات الفلاسفة المسلمين الأوائل، باعتبار أنهم يصدرون عن التصور اليوناني للعقل كمدى وجودي وليس كذات واعية. أما التصور الإسلامي الحديث لشمولية الإسلام، فقد تأثر بوضوح بالمقاربات النسقية التي طبعت المنظومات الأيديولوجية المعاصرة، وبصفة خاصة الماركسية. فباسم محاربة العلمانية في فصلها بين الدين والدولة، يتم النظر إلى الإسلام كإطار معياري ضابط لمختلف أوجه الحياة الإنسانية، دون وعي بمحدودية الإطار التشريعي في هذا الدين وانبنائه على أصلية الإباحة واتساع دائرة العفو فيه. ولقد اعتبر الفيلسوف الفرنسي المسلم "عبدالنور بدار" في كتابه الأخير "الإسلام دون استسلام" أن النص الإسلامي يؤسس ميتافيزيقياً وتأويلياً لدين انعتاق وتحرر من خلال فكرة "الاستخلاف"، التي لم تستوعب آفاقها الدلالية الرحبة بعد. فإذا كان بعض علماء الأنثربولوجيا والتاريخ الأوروبيين، قد لمسوا في فكرة التجسد المسيحية منطلقاً للتصورات العلمانية، مما حدا بهم إلى القول "إن المسيحية هي ديانة الخروج من الدين "(مارسال غوشيه)، فإن الإسلام وضع بفكرة خلافة الإنسان لله أساساً مكيناً لحرية الإنسان ورشده، باعتبار أن الخليفة يحل محل مستخلفه في تسيير الطبيعة والوجود الإنساني بحرية ومسؤولية. إنه المعنى الذي أدركه الصوفية وفلاسفة الاستشراق في نظرتهم للإنسان كمرآة للألوهية، وتأكيدهم أن لا طريق للحق إلا بواسطة الخلق. والفرق بين مسار الخروج من الدين في المسيحية، ومسار الاستخلاف في الإسلام (وما يرتبط به من حدث ختم النبوة)، هو أن الأول أفضى إلى تحويل الإنسان إلى مركز الألوهية (مما هو متضمن بالقوة في فكرة التجسد)، في حين يمكن بناء مقاربة إسلامية منسجمة للحرية والرشد الإنساني من منظور وفاء الخليفة للمستخلف. إنه وفاء يتحقق عبر مسلكين رئيسيين: الذكر والاستذكار محوراً للعبادة، والتأويل المتجدد بقراءة النص - التركة، الذي لا يجوز أن ننظر إليه كسقف مقيد، وإنما كآيات رحبة للتدبر وكشريعة (بمعنى طريق) نسير وفق مقاصدها وموجهاتها. وقد أحسن الصوفية الأوائل بقولهم "إن الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق".