"الاشتراكي" الفرنسي يدخل مرحلة "التفسّخ"... وأوباما يواجه لحظة الحقيقة هل دخل الحزب الاشتراكي الفرنسي أخيراً مرحلة "التصفية" السياسية؟ وما هي خلفيات الانفتاح الإعلامي الصيني الملحوظ في تغطية أحداث شينجيانج؟ وهل ينجح أوباما في امتحان "لحظة الحقيقة"، أسئلة ثلاثة يجيب عنها كُتاب افتتاحيات وصفحات رأي الصحف الفرنسية. الحزب الاشتراكي الفرنسي... أزمة وجود: أجمع كتاب افتتاحيات الصحف الفرنسية، الوطنية والجهوية، على أن الحزب الاشتراكي، أكبر أحزاب اليسار، يمر الآن بفترة أزمة وجود، وذلك نتيجة غياب الرؤى وشح الكاريزما القيادية، زيادة على شدة الاحتقان والصراع الداخلي العقيم. وفي هذا السياق، كتب بول - هنري ديلامبرت افتتاحية في صحيفة لوفيغارو تحت عنوان "الحزب الاشتراكي: الصيف القاتل"، رصد فيها واقع التشرذم الداخلي في الحزب، وعجز كاتبته العامة مارتين أوبري عن لمِّ شتاته وجمع تياراته المتنافسة تحت مظلة ديباجة سياسية واحدة، منذ صعود أوبري السياسي إثر مؤتمر الحزب قبل ثمانية أشهر في مدينة "ريمس". وفي ضوء هذا الواقع من انعدام البوصلة السياسية، يتساءل الكاتب: هل مازال وارداً الحديث عن احتمال هزيمة ساركوزي في رئاسيات 2012؟ وهو سؤال يلهب حماس الاشتراكيين بكل تأكيد، زيادة على ما هم عليه أصلاً من التهاب مواقف وجبهات، ولكن لا يبدو الآن ذلك الاحتمال ممكناً بأي وجه، إلا إذا وقع زلزال غير متوقع في الحياة السياسية الفرنسية، يؤدي إلى فوز لليسار تستبعده اللحظة الاشتراكية الراهنة. فمنذ مؤتمر ريمس، والاشتراكيون يتصارعون ويتشاجرون أمام عموم الفرنسيين، على نحو أصبح معه الصراع الداخلي هو القاعدة وما عداه استثناء ووقتاً بدل ضائع. ولا شك في أن ساركوزي يشعر بالراحة الآن لواقع حال منافسيه، الذين لا يحتاج قطعاً إلى عدسات مكبرة ليراهم هناك على الطرف الآخر وهم في أوضاع حزبية بالغة السوء. وإذا عرفنا أن 34 شهراً فقط هي ما يفصل عن استحقاق الرئاسيات المقبلة، فإنه يغدو في متناول الفهم حجم مأزق الاشتراكيين، وضيق وقت المناورة المتاح لهم لتعديل أحوالهم السياسية الحزبية، هذا على افتراض أن هناك أصلاً رغبة في تعديلها. وفي افتتاحية أخرى كتبها "فيليب بالا" في "ميدي ليبر"، أبرز الآثار المدمرة للصراع الداخلي بين وجوه وأجنحة الحزب الاشتراكي، مشيراً بصفة خاصة إلى أن الحزب جنح الآن للخصومات والتفسخات، ودخل مرحلة من ضبابية الزعامة النسائية منذ مؤتمره الأخير، متسائلاً عن مآل هذا الواقع الحزبي المرير، دون أن يستبعد أن يكون لساركوزي، دور من قريب أو من بعيد، في تشجيع تفسخ أكبر أحزاب اليسار، ليسمح له ذلك لاحقاً باختيار من سيكون على رأس لائحة منافسيه في رئاسيات 2012. استراتيجية الصين الإعلامية الجديدة: تحت هذا العنوان، كتب مراسل صحيفة لوموند في بكين برينو فيليب تحليلاً سياسياً عرض فيه ملامح ما اعتبره تحولاً بالغ الرمزية في طريقة تعاطي السلطات الصينية مع وسائل الإعلام الأجنبية، برز خلال أحداث إقليم شينجيانج الأخيرة. ففي اليوم الثاني لاندلاع أحداث العنف العرقي في عاصمة الإقليم أرومكي، أمسكت السلطات في بكين زمام المبادرة على نحو عاجل، ووجهت "دعوة" لمراسلي الصحافة الأجنبية لتغطية الأحداث. وقد سمح ذلك للمراسلين بالانتقال إلى عين المكان، حيث تمكنوا من معاينة ما يجري في شوارع المدينة حتى في أوقات كانت أعمال العنف فيها لاتزال مستمرة، بل في درجة الذروة بين "الإيجور" المسلمين و"الهان" الصينيين. وهذا ما يطرح عملياً سؤالاً عن أسباب وخلفيات هذا التغير الكبير في الاستراتيجية الصينية في التعاطي مع وسائل الإعلام الأجنبية، وهل ذلك لخصوصية الحالة، أم أنه إيذان ببدء خط إعلامي جديد؟ والحال أن هذا الانفتاح على وسائل الإعلام الأجنبية قد بدأت علاماته الأولى منذ مطلع سنة 2007 حين لم يعد لازماً للمراسلين أخذ إذن رسمي مسبق عندما يخرجون من العاصمة بكين -هذا طبعاً باستثناء إقليم التبت- وإن لم تعن تلك الخطوة بالضرورة تحولاً كيفياً في طريقة التعامل بصفة عامة مع المراسلين، واستطراداً توفير ما يحتاجونه من تسهيلات وضمانات ديمقراطية لا وجود بدونها لحرية التعبير. ولعل ما صنع الفارق، يقول الكاتب، هو الدرس المستخلص من أحداث لهاسا في التبت العام الماضي. وفي المقارنة والتفاصيل، يعتقد "يو جيومنج"، نائب رئيس مدرسة الصحافة بجامعة الشعب ببكين، أن الآثار السلبية التي ترتبت على إعاقة السلطات لتغطية أحداث لهاسا أدت إلى قرارها الأخير بإفساح المجال للمراسلين لأداء عملهم، بعد ترسخ قناعة بأن التغطية على أي حدث اليوم باتت مستحيلة بفعل انفلات "الإنترنت" ووسائل الإعلام الجديدة. وزيادة على ذلك، لوحظ أن وكالة أنباء الصين الجديدة نشرت أخبار أحداث أرومكي بعد وقوعها بساعة واحدة فقط، في حين اقتضى الأمر 12 يوماً قبل أن تأتي على ذكر أحداث التبت العام الماضي. كما وقع الشيء ذاته مع زلزال "سيشوان" العام الماضي، خاصة أن بكين ظلت حتى عهد قريب تصنف الكوارث الطبيعية ضمن دائرة "أسرار الدولة". وفي الأخير، يخلص مراسل "لوموند" إلى أن الغايات السياسية والدعائية الإعلامية التي سعت بكين لتحقيقها من وراء انفتاحها البراجماتي على وسائل الإعلام يمكن تخمينها مع ذلك بسهولة. فإضافة إلى رمزية هذا الانفتاح ودلالته على خطوات إيجابية على طريق الإصلاح وحرية التعبير، يضمن تدبير منفتح كهذا أيضاً فرص التأثير الرسمي على الروايات المتداولة حول الأحداث وخلفياتها. أوباما يواجه لحظة الحقيقة: الكاتب بيير روسلين كتب افتتاحية لصحيفة لوفيغارو حلل فيها خلفيات إلقاء سيد البيت الأبيض الآن لكامل ثقله وأوراقه السياسية والحزبية وراء برنامجه الطموح القاضي بتوفير تغطية صحية لجميع الأميركيين الـ47 مليوناً المحرومين من هذه الميزة، وهو واحد ألمع وأكبر الوعود التي قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية العام الماضي. وبعد مرور ستة أشهر على دخوله البيت الأبيض، انشغل خلالها بتطويق تداعيات الأزمة المالية العالمية، وإطلاق خطة تحفيز اقتصادي، حان الآن وقت العمل لتمرير مخططه الطموح لإعادة إصلاح القطاع الصحي الأميركي. وهنا تنتظر أوباما، الذي انتهى شهر عسله الرئاسي، معركة سياسية وحزبية شديدة الصعوبة والتعقيد. وليس في جعبته الكثير من الوقت، خاصة أنه يسعى لتمرير الخطة قبل إجازة الكونجرس التي تبدأ مع بداية أغسطس. وعلى وفائه بهذا الوعد سيتقرر كل شيء بالنسبة لفرص إعادة انتخابه لولاية ثانية؛ لأن مشروعاً كهذا سينظر إليه على أنه هو أكبر إنجاز داخلي يحققه خلال فترة ولايته الأولى. ويذهب روسلين إلى أن التحدي الأول الذي يواجه أوباما على طريق تمرير مخططه الصحي قائم داخل حزبه "الديمقراطي" الذي تؤيد التيارات التقدمية فيه القرار، حتى لو اقتضى فرض ضرائب جديدة على الشرائح الأكثر دخلاً، في حين هنالك تيار "ديمقراطي" آخر محافظ ضريبياً، ينتظر أن يقف في وجه أي مخطط قد يؤدي إلى فرض ضرائب. وإذا لم يمرر أوباما خطته الآن فسيكون الأمر صعباً جداً بعد نهاية عطلة الكونجرس؛ لأن أعضاءه سيأتون وعيونهم على انتخابات التجديد النصفي العام المقبل، وهي انتخابات بدأت حملتها عملياً من الآن. هذا إضافة أن منافسي أوباما "الجمهوريين" لن يألوا جهداً لإعاقة خطته، وأيضاً لتوظيف أي تعثر قد تعرفه ولايته الأولى. ولذا فإن عليه أن يكون حذراً جداً، فإذا خسر معركة الضمان الصحي، فإن خسارته لفترة ولاية ثانية تغدو شبه مؤكدة، ومن الآن. إعداد: حسن ولد المختار