هل يختلف أطفالنا العرب عن أطفال العالم جينيّاً؟! هل ستحسم المقارنة لأطفالنا، أم سترجح كفة الأطفال في البلدان المتحضرة؟! إذا كانت النتيجة ستصبُّ في صالح أطفال الغرب دون تحيّز، إلى ماذا تعود أسباب هذا الفارق الشاسع؟! هل العيب في مجتمعاتنا العربية التي لا تُنشئ أطفالها على التكيّف مع ظروف الحياة؟! هل إعلامنا العربي يتحمّل جزءاً من المسؤولية، لتقاعسه في خلق أطفال أقوياء لا يعرفون كيفية التعامل مع مواقف الأيام؟! هل العيب في الأسر العربية التي تُمارس القمع الأبوي على أبنائها طوال الوقت بحجة حمايتهم من مخاطر الطرقات، مما يحولهم مع مرور الوقت إلى مخلوقات متبلّدة، لا تملك وعياً في مواجهة واقعها؟! هل المسؤولية تقع على عاتق مؤسساتنا التعليمية التي دجّنت الطفل العربي، وبرمجت تفكيره، حتّى صار مثل "الروبوت" الآلي يُحرّك خطواته كل من يملك مفاتيح تشغيله؟! لقد لفت انتباهي خبر جميل تناقلته وكالات الأنباء، عن تمكّن طفلة بريطانية في الثانية من عمرها، من إنقاذ والدتها التي سقطت فجأة أمامها على الأرض، وذلك بقيامها بالاتصال برقم الطوارئ الذي تعلمته من خلال برنامج تلفزيوني خاص بالأطفال. صحيح أن تصرّف الطفلة ينم عن ذكائها الحاد، ولكن هذه الواقعة تُعيدنا إلى الجدلية المتداولة في الأوساط الاجتماعية، حول أهمية تهيئة الطفل منذ سنواته الأولى للانغماس في الحياة العامة، من خلال تعليمه كيف يُمارس مسؤولياته، وعلى وجوب خلق مناخ مناسب يشبُّ فيه الطفل، ليكتسب منه مهارات مفيدة تؤهله لقيادة الغد. مشكلتنا في عالمنا العربي، أننا لا نؤهل الأطفال لتحمّل مسؤوليات حياتهم، فمنذ اللحظات الأولى التي ترى فيها عيونهم النور، يقوم أهاليهم باحتضانهم، وتلبية احتياجاتهم. لا يشيرون بأصابعهم نحو شيء، حتّى يتم إحضاره لهم بطيب خاطر وهم نائمون في سرائرهم، معتقدين أن هذه العطـاءات المجانيّة هي التعبير المثالي عن حبهم العميق لأبنائهم! في الغرب، يصبون اهتماماتهم على أطفالهم؛ لإيمانهم بأنهم نواة المستقبل التي تحمي مجتمعاتهم من الانهيار. يعلمونهم بجديّة كيف يواجهون مشاكلهم، وكيف يتحملون مسؤولية قراراتهم التي تمر بهم، بل ويغرسون في دواخلهم احترام آدميتهم، وكيف يتمسكون باستقلاليتهم وحريتهم، ويزرعون في دواخلهم عشق المسؤولية، وأن الحب الأسري شيء، والانفراد بقراراتهم شيء آخر لا ينفصم عن كينونتهم. هذا لا يعني أن نُهيل التراب على الطفل العربي، ونتهمه بالغباء والسلبية ونحمّله كافة الأخطاء التي يتعثّر فيها كل يوم! فهو في نهاية الأمر ضحية أسرته التي تُدلله وتهدهده في صغره ليفشل مستقبلاً في مواجهة واقعه، ويفقد القدرة على التعامل بصلابة مع تقلبات الحياة بحلوها ومرها! وزاد الأمر سوءاً، المناهج الدراسية التي لا تُحرّك بؤرة تفكيره، بل تزيده بلادة، هذا إذا لم تُساهم مساهمة فعّالة في تحريف سلوكياته، ودفعه لا إراديّاً إلى الانسياق خلف أفكار بالية تزيده تحجّراً وتخلّفا! وحدّث ولا حرج عن الإعلام العربي، وعلى الأخص المرئي منه، الذي يتفنن في التسابق على بث البرامج الفنية والمسابقات الهزلية، دون أن يُساهم في تنمية مواهب الطفل العربي، وصقل قدراته، من خلال تُخصص برامج حية ترفع من مستوى تفكيره أو تسعى إلى زرع نبتة الابتكار في بؤرة عقله. إضافة إلى أن المؤسسات الثقافية لا تنظر بعين التقدير لأدب الطفل، وتُدير عن عمد ظهرها له، ولا تسعى إلى تسليط الأضواء عليه، كما يحدث في دول الغرب، التي تحتضن هذا النوع من الأدب، وتقوم بمساندة الأدباء الذين يكتبون في مجاله. إن القصص التي قرأتها وأنا صغيرة، كالأميرة النائمة وعقلة الأصبع وغيرهما من القصص التي تمّت ترجمتها إلى "العربية" منذ عدة عقود، مازالت هي نفسها المتداولة إلى اليوم بين الأطفال في عالمنا العربي، كأنّ الساحة الثقافية العربية عاجزة عن إنجاب أدباء متخصصين في أدب الطفل، والحقيقة المرة أنهم يُعانون من التجاهل واللامبالاة! إن مؤسسات المجتمع التربوية والتعليمية كافة، تتشارك في مسؤوليتها تجاه الأجيال القادمة. فهي حلقة متشابكة تستلزم من الجميع أن يُراجعوا مواقفهم، ويقوموا بتحمّل مسؤولياتهم كاملة تجاهها، حتّى تُصبح لدينا في المستقبل أجيال واعية قادرة على الإمساك بزمام أمورها، وعلى فهم ماهية الحياة من حولها.