قرأ البعض الإعلان الرسمي من جانب الحكومة الإسرائيلية حول رفض الطلب الأميركي - البريطاني بوقف بناء 20 مسكناً جديداً في حي الشيخ جراح بالقدس... على أنه إعلان نهائي بالتحدي لإدارة أوباما، وإظهار أن الحكومة الإسرائيلية قادرة على وضع خطوط حمراء، لا يمكن لأحد أن يتجاوزها حتى لو كان رئيس القوة الأعظم في العالم. اعتمد هذا البعض على عدة أمور في هذه القراءة. أولاً: ان الطلبات الأميركية بشأن وقف الاستيطان عادة ما تُقدم إلى السفير الإسرائيلي في واشنطن، فيحولها إلى الحكومة الإسرائيلية التي لا تقوم من جانبها بتسريب الأمر إلى الصحافة، ولا تتعمد الرد عليها بهذه الصورة العلنية التي تحمل رفضاً سافراً. ثانياً: أن التصريحات التي أدلى بها نتانياهو كانت شديدة اللهجة، حيث قال للصحفيين: "القدس الموحدة هي عاصمة للشعب اليهودي ودولة إسرائيل، وسيادتنا عليها غير قابلة لأن تتزعزع، ونحن لا يمكننا أن نقبل فكرة ألا يكون لليهود الحق في الشراء والبناء في القدس الشرقية". كما أنه قال لكتلة حزب "الليكود" في الكنيست إنه أوضح للرئيس أوباما خلال لقائهما في واشنطن أنه يعتبر القدس خارج أي نقاش في الحديث عن الاستيطان والبناء. ثالثاً: أن استخدام نتانياهو لمصطلح الشعب اليهودي قصد استفزاز يهود الولايات المتحدة ودفعهم إلى مواجهة ضغوط أوباما في قضية الاستيطان، وبالتالي توجيه ضغط مضاد للإدارة الأميركية. غير أن هناك قراءة أخرى، أعتقد أنها الأقرب إلى الصواب، وهي ترى أن خطوة نتانياهو هي مجرد مناورة، قصد منها إبراء ذمته أمام المعسكر "اليميني" في حزب "الليكود"، وفي الحكومة الائتلافية من تهمة التقصير والتفريط في مبادئ أرض إسرائيل الكبرى، وهي التهمة التي بدأت تتردد منذ أعلن عن قبوله بإقامة دولة فلسطينية مقيدة السيادة. كذلك هي مناورة تستهدف اختبار قدرة أوباما على القيام بإجراءات فعلية ضد السياسات التوسعية الإسرائيلية بعيداً عن الخطب الرنانة والتصريحات اللفظية، وأيضاً قطع الطريق على فكرة قيام أوباما بإلقاء خطاب في إسرائيل موجه إلى الجماهير اليهودية في العالم وفي إسرائيل، لحضها على التخلي عن مفاهيم التوسع، وتأهيل نفسها لقبول الحل السلمي بما يقتضيه من إخلاء الضفة من المستوطنات. مما يؤكد هذه القراءة في تقديري أن بالونة أو مناورة التحدي، جاءت في موضوع ضيق، وهو بناء 20 وحدة سكنية لضمان ألا يكون رد الفعل الأميركي كبيراً، أي أن هذه مناورة محسوبة الحجم، وكذلك تم حساب رد فعلها بدقة قبل إطلاقها. مما يؤكد هذا التقرير أن رد الفعل الأميركي اقتصر على تصريح رسمي وجه تحذيراً مباشراً للحكومة الإسرائيلية من القيام بأي خطوات انفرادية تستبق نتائج المفاوضات النهائية مع الفلسطينيين، مع إيضاح أن المجتمع الدولي لن يعترف بأي خطوات تستبق نتائج المفاوضات. إن التحليلات التي ظهرت في أهم صحيفتين إسرائيليتين، وهما "يديعوت أحرونوت" و"معاريف"، اشتملت على إشارة إلى احتمال قيام إدارة أوباما بإجراء عملي لمعاقبة حكومة نتانياهو على موقفها، وهو يمثل إجراءً محدود القيمة والأثر بالنسبة لمعسكر نتانياهو. فقد قيل في الإشارة إن الولايات المتحدة، يمكن أن تخفض الضمانات المصرفية التي منحتها وزارة الخزانة الأميركية لإسرائيل بمقدار بليون دولار، وهو مبلغ يعادل قيمة الاستثمارات في المستوطنات. أصل هذه الضمانات كان تسعة بلايين دولار، خصصها الكونجرس عام 2003 كضمانات مصرفية لتستخدمها إسرائيل للحصول على قروض بشروط تفضيلية في أسواق المال الأميركية، وأن ما بقي من هذه الضمانات هي دفعة قيمتها 2.8 بليون دولار تستخدم قبل عام 2011. إذا صحت هذه الإشارة وأقدمت إدارة أوباما على تنفيذها، فإنها ستمثل في تقدير "اليمين" الإسرائيلي مجرد رد فعل محدود على المناورة المحدودة، ويمكن عندها تبرير إقدام نتانياهو على محاولات لاسترضاء أوباما بأنها ضرورة وطنية لتجنب عقوبات أميركية أشد. لقد أكد المعلق الرئيسي في "يديعوت أحرونوت" اعتقادنا عندما قال إن مبادرة نتانياهو لتحويل النقاش مع أوباما من مجال الاستيطان في الضفة على نحو عام إلى الاستيطان في القدس على نحو خاص، كان يمكن أن تحقق نتائجها التي يرجوها رئيس الوزراء لو لم تكن مكشوفة إلى هذا الحد. من ناحية ثانية، أوضح المعلق "شمعون شيفر" أن نتانياهو استخدم طلب أميركا لوقف الاستيطان في القدس، كفخ نصبه لأوباما بافتعال ضجة كبيرة حول حكاية صغيرة في محاولة لفرملة اندفاع أوباما الضاغط على إسرائيل. د. إبراهيم البحراوي