ظل سير جون سويرز يشغل منصب المندوب الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة منذ عام 2007. ومما لا ريب فيه أن هذا منصب رفيع للغاية ويحظى بتغطية إعلامية واسعة داخل المملكة المتحدة وخارجها. ففي كل مرة تنشأ فيها أزمة دولية كبرى، يطل علينا المندوب الدائم عبر شاشة التلفزيون موضحاً رأيه فيها وما بذله من مساعٍ وجهودٍ لتحقيق الأهداف المعبرة عن موقف بلاده من الأزمة داخل اجتماعات مجلس الأمن الدولي. غير أن علينا جميعاً ألا نتوقع رؤية وجهه من خلال شاشة التلفاز مثلما اعتدنا اعتباراً من الآن. ذلك أنه عيـّن للتو رئيساً للخدمة السرية الاستخباراتية MI6، حيث سيحتم عليه منصبه الجديد الانتقال من الأضواء وعدسات الكاميرا إلى عالم السرية والظلال. وينبغي القول، إن سير جون سويرز شخصية معروفة جداً في العالم العربي. فقد عمل دبلوماسياً رفيع المستوى في كل من صنعاء ودمشق. كما عمل خلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2003 سفيراً لبلاده في مصر. وفي صيف عام 2003، حيث وقع الغزو الأميركي البريطاني ضد العراق، ابتعثه رئيس الوزراء توني بلير حينها إلى بغداد، وهناك عمل في ظروف باعثة على الضيق في أحد القصور الرئاسية السابقة في عهد صدام حسين. وهناك أيضاً تولى منصب نائب رئيس سلطة التحالف المؤقتة. وفي تعبيري الخاص، أقول إنه كان نائباً لحاكم عام العراق، حيث كان يعمل تحت رئاسة بول بريمر، على الرغم من أن السياسات التي اتبعتها تلك السلطة المؤقتة لم تكن مستحسنة ولا مشرّفة. وكان سير جون قد تسلم ذلك المنصب من ميجور جنرال سابق كان قد عمل مع جي غارنر إن كان هناك أحد يتذكره حتى الآن لكونه لم يحكم العراق سوى بضعة أسابيع فحسب. وفي شهر يونيو من عام 2003، أدلى سير جون بتصريحات صريحة للغاية، عبر حوار أجرته معه إحدى الصحف البريطانية، قدم فيها وصفاً دقيقاً وصادقاً للوضع السياسي في العراق قبل ست سنوات فحسب. ومما قاله في ذلك الحوار: لم تنشأ الأحزاب السياسية هنا على أساس قومي، كما تفتقر البلاد إلى الصحافة والمؤسسات الإعلامية التي يمكن عبرها طرح الأفكار ومناقشتها. ومتى ما كانت هناك عملية سياسية مفتوحة، بينما ظلت الصحافة والأحزاب السياسية في مرحلة غير كافية من النضج والتطور وخاضعتين لرقابة العناصر الراديكالية المتشددة... فعندها يصبح ممكناً تعريض العناصر السياسية المعتدلة لضغوط كبيرة لا سبيل للتعامل معها أو الوقوف أمامها. وفي معرض اعترافه بأن من شأن التباطؤ في تنفيذ الأهداف التي شُن من أجلها الغزو أن يثير غضب المواطنين، قال سويرز ما يلي: "في حال عجزنا عن الفعل أو تراجع أداؤنا، من الطبيعي أن ينفد صبر المواطنين وتزداد نقمتهم على سلطة التحالف، خاصة أن هناك شعوراً غريزياً معادياً لفكرة الاحتلال من أساسها". وبالفعل، شهدنا على صحة ما ذكره في هذا الجزء الأخير من تصريحاته. وفي عام 1993، كان سير جون مستشاراً رئيسياً خاصاً لدوجلاس هيرد وزير الخارجية السابق. عندها كنت قد رأيت جانباً من سير جون وأدركت كمن كان شخصية محترمة ومقدرة من قبل هيرد. ثم إن هناك ما يمكن وصفه بـ"الجانب الحركي" من سير جون. فقد بلغ عمره الآن الثالثة والخمسين، إلا أنه لايزال يتمتع بقدرٍ عالٍ من الحيوية والنشاط، بدليل أن من بين الأنشطة الرئيسية التي يقضي فيها أوقات فراغه: تسلق الجبال، وركوب الدراجات الهوائية، ولعبة تنس المضرب. وبالنظر إلى كل هذه المزايا والمواصفات، فلم يكن مفاجئاً بالنسبة لي أن أسمع عن بداية مشوار عملي جديد له في خدمة MI6 الاستخباراتية السرية. وعند الإعلان عن تعيينه في منصبه الجديد، قال ديفيد ميليباند وزير الخارجية: "بسبب الإرهاب الدولي وانتشار أسلحة الدمار الشامل وتزايد القلاقل والنزاعات الإقليمية، لم تصبح مهارات وتفاني وكالاتنا الاستخباراتية بهذه الأهمية لأمننا القومي وسلامة مواطنينا على نطاق العالم كله، مثلما هي اليوم". والملاحظ أن وسائل الإعلام تركز على إخفاقات أجهزة الأمن البريطانية لأسباب مفهومة ومعلومة، غير أنها لا تعكس الجانب الإيجابي من أدائها إلا نادراً جداً. فعلى سبيل المثال، لايزال الجمهور البريطاني يذكر جيداً، وإلى اليوم، الخطأ المعلوماتي الاستخباراتي الذي ارتكبته وكالة MI6 فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية المزعومة قبل شن الغزو في عام 2003. لكن هناك قصص إخبارية أخرى عن نجاح أجهزتنا الاستخباراتية في إحباط مؤامرات إرهابية تستهدف أمن وحياة مواطنينا، إلا أن هذه القصص غالباً ما تتجاهلها الصحافة أو تغطيها عابراً. وإنه مما يسعدني أن يتسلم سير جون منصبه الجديد اعتباراً من شهر نوفمبر المقبل، لمدة خمس سنوات لاحقة يتولى فيها إدارة جهاز استخباراتي صغير الحجم، إلا أنه عالي الكفاءة إلى حد مذهل. غير أن هناك حاشية غير ملائمة صاحبت الإعلان عن تعيين سير جون للمنصب، وهي الحاشية التي فتحت شهية صحف التابلويد التي احتفت بها أيما احتفاء. فقد نشرت "شيلي سويرز"، عبر موقع "فيس بوك" الإلكتروني، تفاصيل أفراد عائلتها إضافة إلى تحديدها لموقع الفيلا التي تقيم فيها العائلة في لندن. وشملت المعلومات المبثوثة تفاصيل أطفالهما الثلاثة. صحيح أن هذه المعلومات قد تم محوها سريعاً من الموقع، غير أن ذلك لم يتم إلا بعد أن تمكن ملايين المستخدمين للموقع من رؤيتها والاطلاع عليها. وفيما يذكر الجمهور البريطاني إلى اليوم، رغم مرور سنوات كثيرة على ذلك الحدث، أن مديرة عامة سابقة لوكالة MI5 كانت قد التقطت لها صورة فوتوغرافية قرب منزل عائلتها، مما اضطرها إلى شراء منزل آخر للعائلة. نعود إلى القول إن سير جون، وبكل ما يتمتع به من خبرة دبلوماسية ومعرفة غير مشكوك فيها بـ"وايت هول"، يعد الرجل المناسب جداً لتولي إدارة MI6. بيد أن أكثر ما يحتاجه في المرحلة الجديدة من سيرته المهنية أن يوفقه الحظ. وفي علمنا أن هناك مشكلات بعينها في الصلة بين وكالتي MI6 وسي آي إيه الأميركية، نتوقع لها أن تحظى باهتمامه.