يقال إنّ معاوية ذكر في وصيته لابنه يزيد، وهو على فراش الموت على سبيل النصيحة: ولو أنّ أهل الكوفة سألوك كل يومٍ أن تغيّر وَاليَهُمْ فافعلْ، ولا تدعهم ينغمسوا في الفتنة! وقد تنازل معاوية في وصيته المزعومة هذه عن كل اشتراط، مثل أن يكونَ الوالي ظالماً أو غريباً عن البلد أو ضعيف الكفاية. فالمقصود من وراء هذه "الحكمة" أنّ طول مدة الوالي قد تكونُ سبباً لتذمُّر الناس واضطرابهم بغضّ النظر عن سلوك ذاك الحاكم، وأصول شرعية نظامه. وهذا الأمر ينطبقُ على حالات عربية عديدة. وفي اليمن، هناك أسباب عامة تدفع بعض الفئات السياسية لمعارضة السلطة والضغط من أجل إضعافها. وهذا في الواقع ما تفعله الأحزاب الرئيسية هناك منذ حوالي عشر سنوات. لكنّ الأحزاب المعارضة، وعلى رأسها "الإصلاح" و"الاشتراكي"، ما ذكرتْ في الواقع مدة بقاء الرئيس في الحكم بين أسباب معارضتها له. بل تحججت بالفساد، وضعف المؤسسات، والضياع الإداري والاقتصادي، وصيرورة الأمن بالتراضي. واليمن كما هو معروف بين الدول الأشدّ فقراً في المنطقة العربية وفي آسيا. وقد اشتهرت تقليدياً بهشاشة نظامها، بسبب التمايُزات القَبلَية والعشائرية والمناطقية. على أنّ الرئيس علي عبدالله صالح حقّق بالفعل إنجازاً ما استطاعه حاكمٌ عربيٌّ غيره، سواءٌ أطالت مدته أم قَصُرت: إعادة توحيد اليمن شمالاً وجنوباً تحت سلطةٍ واحدة. وبالفعل، فإنّ هذا الإنجاز أكسبه شرعيةً وتأييداً ما كانا له قبل عام 1990/1991. ويحْسَبُ له أيضاً أنه أجرى انتخاباتٍ منتظمةً منذ التسعينيات، وسمح لمعارضيه ولحلفائه بحصةٍ في البرلمان والمؤسسات لا تسمحُ بها الدول القومية والتقدمية في العادة. لكنْ، وكما سبق القول، فإنّ أحداث وتطورات عشرين عاماً من الفوضى والفساد، أدَّت لِتآكُلِ كلّ الشرعيات الأصلية أو المستحدثة، وبين تلك الشرعيات الاستقرار النسْبي بعد تعدد الانقلابات، والذكاء في الحفاظ على التوازُن في علاقاته بالجوار وبالمجتمع الدولي. فالمجتمعُ اليمنيُّ مجتمعٌ شابٌّ، وهو يميلُ للتغيير، وما كان يصحُّ في الثمانينيات والتسعينيات ما عاد يصحُّ في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وفي حالاتٍ كهذه، تُصبحُ الميزاتُ أحياناً مُشكلات وأعباء، فالاستقرار النسبي المتحقّق يُفْهَمُ من جانب الشباب باعتباره جموداً وتخلُّفاً، والوحدة تُصبحُ عَلَماً لسيطرة الشمال وحاشية الرئيس على الجنوب. أما الحيادية المستجدة بين المذاهب والأحزاب، فتُصبحُ دليلاً على التحيز والاضطهاد الطائفي والمذهبي. لكنّ الذي يبدو لي، أنّ الاضطرابَين الحاصِلَين باليمن الآن، بل ومنذ مدة، لا يمكن تعليلُهُما بطول مدة الرئيس، ولا بضعف سلطة الدولة أو غيابها وحسب، فهناك الاضطراب الحُوثي (نسبةً إلى زعيم التمرد عبدالملك الحوثي ابن بدر الدين الحوثي أحد كبار علماء الزيدية) في أقصى شمال اليمن. وهناك الاضطراب الاجتماعي -السياسي الحاصل في جنوب اليمن. والاضطرابان كلاهما فيه رائحة نفّاذة توحي بمتغيرات داخلية عقدية واجتماعية، ومتغيرات خارجية تتعلق بالنزاعات الدائرة على الأرض العربية. أما الاضطراب الحوثي المنتشر بأقاصي الشمال، فَلَهُ رائحةٌ مذهبيةٌ قويةٌ، بل لعله تمردٌ داخل الطائفة الزيدية. والزيديةُ القاطنون في جبال شمال اليمن وصحاريها ووديانها، يعتنقون أحد المذاهب الشيعية التي لم تَعُدْ موجودةً في غير اليمن. ومنذ القرن الثالث الهجري، استطاعوا إنشاء دولة الإمامة التي تزعمها أشرافٌ من آل البيت، من الحُسينيين والحَسَنيين. والمعروف أنّ ثورة عام 1962م أسقطت حكم الإمامة وجاءت بالجمهورية بمساعدة مصر وجيشها، في حين كان السعوديون يساعدون فلولَ الإمامة. وانتهى التدخلان، المصري والسعودي، بعد عام 1967، لكنّ الحكام العسكريين الذين توالوا على السلطة حملوا في الثقافة والسياسة على حُكْم الإمامة. ولأنّ السلفيين و"الإخوان" كانوا يُعادون القوميين التقدميين بشمال اليمن وجنوبه، فإنّ النظام استعانَ بهم ضد خصومه من اليساريين، وضد أعدائه من أتباع الأئمة. فتعرضت الزيدية لضغوطٍ قويةٍ ومستمرة لحوالي عقدين من الزمان. وتكونت جرّاء ذلك العواملُ والدوافعُ التي تُثير التذمُّر والانزعاج. على أنّ ما تشهدُهُ اليمن من تمردٍ منذ سنواتٍ لا يمكن تعليلُهُ بالضغوط على الزيدية. بل هو نتاجُ وعيٍ مستجدٍ بالخصوصية، ونتاج اتخاذ الثورة الإسلامية في إيران، وسلوك "حزب الله" اللبناني، نموذجاً. فشبان الزيدية المتذمرون استمروا لسنواتٍ وسنواتٍ يأتون إلى لبنان وإيران للتعلُّم والاستلهام. والمعروف أنه بعد الوحدة في عام 1990، صار الشافعيةُ أكثر من الزيدية بين مُواطني الدولة؛ لأنّ أهل جنوب اليمن كلُّهم شافعية، إضافةً إلى شافعيةٍ تاريخيةٍ كبيرة الحجم في شمال اليمن. ولذا يمكن اعتبارُ التمرد الحوثي نتاج عاملين اثنين: ظروف الاستقطاب والتمرد في المشهد السياسي، والوعي الجديد الذي خلقتْه الثورة الإيرانية، ومقاومة "حزب الله"، بين شبان الشيعة على الخصوص في سائر أنحاء المشرق العربي. وتتهم الحكومةُ اليمنيةُ منذ مدة إيران باستثارة التمرد، فيُنكر الإيرانيون ذلك. وقد لا تكونُ هناك علاقةٌ الآن، لكنّ الفكرة الانشقاقية والثورانية مصدرها، ولا شكّ، ميراث الثورة الإيرانية، وعمليات "حزب الله"، واتخاذُهُ مثالاً. وقبل أقلّ من عامٍ، ظهرت دلائل على بدء تمردٍ في أقاصي جنوب اليمن، بدأ بالمطالب الاجتماعية والإدارية والسياسية، ثم تعداها قبل أربعة أشهُر للدعوة لانفصال الجنوب عن الشمال. ورغم أنّ تلك المطالب اجتماعية وإدارية وسياسية ظاهراً، لكننا نعرفُ أنّ بين أشدّ المتحمسين للانفصال الراديكاليين من القوميين والاشتراكيين القُدامى، وعناصر سلفية جهادية قريبة من تيار "القاعدة". وهكذا، فإنّ هذا الوجه من وجوه التمرد يخالطه عنصران: العنصر المتّصل بالبيئات العامة، والتي يُزعجهُا تهميشُ الجنوب، والعنصر المتّصل بالعنف الذي تمارسُهُ "القاعدةُ" والراديكاليات الشبيهة في اليمن مند عدة سنوات. وما كان معروفاً عن "القاعدة" الانهماكُ بالخصوصيات المحلية. وقد لا تكونُ هي مُشارِكةً فيها مباشرةً. بيد أنّ العناصر الراديكالية القريبة منها -مثلما حصل بمخيم نهر البارد بلبنان- تؤدّي هذه المهمة على الوجه الذي تستطيعُهُ، وهي في جنوب اليمن، ومن أجل الحصول على التغطية، تتخذ من المطلب الانفصالي ذريعةً ورافعة. وكانت أخبارٌ كثيرةٌ قد تواردتْ منذ مطلع عام 2009 تذهبُ إلى أنّ "القاعدة"، أمام ما تتعرض له من ضغوطٍ بأفغانستان وباكستان والعراق، أرسلت عناصر وكوادر إلى الصومال واليمن، لمزيدٍ من استثارة تلك الأقاليم والبلدان المضطربة. وما استطاعت الأصوليات والردايكاليات المتحالفة مع "القاعدة" أو المستلهِمة لنموذجها أو النموذج الإيراني، إسقاط أيٍ من أنظمة الحكم خلال العقد الماضي. وقد تجاوزت الآن ذروتَها، وهياجُها الظاهرُ هو صحوةُ الموت أو ما يسبقُها. لكنّ الأوضاع الاجتماعية والسياسية، في اليمن وبلدان عربية أخرى كثيرة غيرها، شديدة الهشاشة، والسلطات ما عادت في الغالب تصغي لغير المطالب الأمنية، ومطالب استمرار النظام. لذلك، فإنّ المشهد -وعلى وقْع توفيقيات الرئيس الأميركي أوباما- سوف يزدادُ تعقيداً واضطراباً. وبذلك تزداد الأنظمةُ هشاشةً وتردّياً. وقد يفتح ذلك المجال لمن يُعرفون بالمعتدلين من الإسلاميين، ليكونوا البديل للطرفين المتناحِرَين. فالأميركيون يحاصرون البؤر القاعدية والإيرانية، ويعزلونها عن امتداداتها، ثم يصفّون بهذه الطريقة تلك الامتدادات. ولأنّ أغلب الأنظمة والسلطات السائدة لا تهتم بتجديد وسائل أو أسباب الشرعية، فإنّ الإسلاميين "المعتدلين" يملكون فُرصةً لن يسهُلَ عليهم تضييعُها أو الإعراض عن التواصُل مع الأميركيين من أجلِها. وبين هذين الحدَّين، حدّ السلطة المتهالكة، وحدّ الإرهاب المستشهِد، قد تتدهورُ أَوضاعُ اليمن، وأوضاعٌ عربيةٌ أُخرى، ويستحضر المشهدُ مَنْ يصنعُهُ أو يؤلِّفهُ.