أفادت الصحف الإسرائيلية مؤخراً، وسط جو من القلق والخوف، ما مفاده أن الولايات المتحدة تهدد بتقليص الضمانات التي توفرها الخزانة الأميركية عادة لقروض الدولة الإسرائيلية بمليار دولار، وهو ما يعد دليلا على أن إدارة أوباما جادة بشأن وقف احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، وبشأن فرض حل الدولتين وليس مجرد الدعوة إليه. وهكذا، فإن إسرائيل قد تخسر خلال العامين المقبلين أكثر من ربع ضمانات القروض الأميركية، وهو مبلغ يعادل المجموع المقدر الذي تقترح حكومة نتانياهو اليوم إنفاقه على المستوطنات الـ120 في الضفة الغربية حيث يعيش نحو 300 ألف مستوطن. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه العقوبة لا تشمل القروض الإسرائيلية المخصصة للأغراض العسكرية، والتي تضمنها الولايات المتحدة عادة، وهو ما يقي الرئيس أوباما بالتالي من تهمة إضعاف أمن إسرائيل؛ كما يمثل اعترافاً بأن كل ذلك الإنفاق العسكري الإسرائيلي يذهب إلى الشركات الأميركية. غير أن القرار اتُّخذ على ما يبدو قبل أن يعلن نتانياهو يوم الاثنين الماضي أن إسرائيل تعتزم بناء مشروع سكني جديد لليهود في القدس العربية، وهو الموضوع الذي أثار كثيراً من الجدل الدائر حالياً، حيث أعلن أن إسرائيل تستطيع فعل ما يحلو لها في أي مكان من القدس لأن "القدس الموحدة" هي "عاصمة الشعب اليهودي ودولة إسرائيل"! وجاء هذا التصريح عقب استدعاء السفير الإسرائيلي في واشنطن حيث قالت له وزارة الخارجية الأميركية إن مشروع البناء "يجب أن يتوقف" لأنه غير قانوني، ولأنه يمثل بشكل غير رسمي صفعةً غير مقبولة للولايات المتحدة. والواقع أن إسرائيل لا تمتلك أي سيادة على القدس الشرقية التي انتزعتها من الأردن في حرب 1967؛ فوجودها هناك هو بوصفها محتلا عسكرياً، وشرعيته تتوقف على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين عام 1947. وإذا كان ذلك القرار قد اعترف بإسرائيل داخل حدود معينة، فإنه اعترف أيضاً بالأراضي الفلسطينية خارج تلك الحدود، مثلما حددها قرار الأمم المتحدة 181 باعتبارها أرض الشعب الفلسطيني صاحب الحق السيادي في تأسيس دولته هناك، وهو حق يشمل القدس الشرقية. هذه الاعتبارات القانونية، والتي يهملها الجمهور عموماً وتتعمد إسرائيل تشويشها، أصبحت مهمة الآن لسببين. الأول، مثلما يحدده هنري سيجمان، الرئيس السابق لـ"الكونجرس اليهودي الأميركي"، والذي يرأس حالياً "مشروع الولايات المتحدة -الشرق الأوسط" في نيويورك، يتمثل في أن أوباما انكب على إيجاد تسوية دولتين، وهو يشتغل عليها بدءاً بالتركيز على موضوع المستوطنات، حيث حكومة نتانياهو وحلفاؤها من "الليكود" في الولايات المتحدة هم الأكثر ضعفاً وهشاشة. فالمستوطنات غير قانونية، حسب القانون الدولي، وهي محط تنديد من قبل المجتمع الدولي، وتمثل عبئاً أمنياً وسياسياً ومالياً كبيراً على كاهل إسرائيل. كما أنها تحظى بدعم قليل نسبياً بين الجالية اليهودية الأميركية والمواطنين العاديين في إسرائيل، ما يجعل من الفكرة القائلة بأن الدعم الشعبي للمستوطنات أكبر من قدرة الحكومة على اتخاذ أي قرار بشأنها، فكرة "سخيفة وغير معقولة"، حسب سيجمان. فالواقع يشير إلى أن "القوانين المتشددة" بخصوص البناء غير القانوني تُفرض بشكل منتظم داخل إسرائيل، وكل شخص يدفع بـ"النمو الطبيعي" كسبب لإعفائه من مثل هذا القانون يُطلب منه الرحيل: فهناك الكثير من الشقق الخالية في إسرائيل حيث أعداد السكان اليهود من أصول أوروبية في انخفاض، إذ يشير كتاب جديد ("الجمهورية العبرية" لكاتبه برنارد أفيشاي) إلى أن نحو ثلث أبناء النخبة الإسرائيلية يعيشون في الخارج؛ كما وجدت دراسة أجريت في 2006 أن 44 في المئة من الشباب الإسرائيليين "يفكرون بشكل جدي في مغادرة إسرائيل". ويقول سيجمان إن إدارة أوباما مصممة على تسوية تأخذ بقرارات الأمم المتحدة، والاتفاقات التي وقعتها إسرائيل من قبل ثم تجاهلتها، والقانون الدولي. والواقع أن مقترحاً من هذا القبيل سيُعزَّز ويتقوى كثيراً بالعامل الثاني الجديد في الموضوع، ألا وهو مقترح الاتحاد الأوروبي الذي كشف عنه خلال الأسبوع الماضي منسق سياسته الخارجية خافيير سولانا. ويقضي هذا المقترح بتحديد مجلس الأمن الدولي أجلا نهائياً لإسرائيل والفلسطينيين من أجل الاتفاق على تسوية. وفي حال فشلوا، مثلما حدث حتى الآن، فإن مجلس الأمن الدولي سيوظف سلطته القانونية بشأن التقسيم الذي قررته الأمم المتحدة في عام 1947 ولم يُطبق بعد، والذي يحدد بدوره حدود إسرائيل والدولة الفلسطينية الجديدة، إضافة إلى تحديد شروط مجلس الأمن الدولي لحل المشاكل المتبقية الأخرى وهي: القدس واللاجئون والأمن. فمسؤولية حل المسألة، في حال لم تستطع الأطراف أن تقوم بذلك بنفسها، متضمنة في قرارات الأمم المتحدة التي أنشأت إسرائيل ومنحت الفلسطينيين حق تقرير المصير. وختاماً أقول إنه إذا تعاونت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على فرض شروط تسويةٍ أممية من هذا القبيل، ودعمها بمواردهما الاقتصادية والسياسية المتضافرة، وأرسلتا قوةً دولية لدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة من أجل إقامة حكم القانون ومساعدة الفلسطينيين على إنشاء المؤسسات الحكومية وضمان أمن إسرائيل، فإنه سيتسنى أخيراً إنهاء هذا المأزق الخطير والمؤلم لما فيه مصلحة الجميع في المنطقة، مما سيحسب لأوباما وسولانا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "تريبيون ميديا سيرفيس"