أثارت زيارة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى الهند خلال الأسبوع الماضي ردود فعل متباينة، لا سيما في الأوساط السياسية والاستراتيجية المحلية، كما غاب عن الزيارة ذلك الزخم الذي عادة ما يصحب هذا النوع من الزيارات. ففي يوم مغادرتها للهند احتدم الحوار داخل البرلمان حول اتفاقية الدفاع المشتركة بين الهند والولايات المتحدة الأميركية، التي وقعت عليها كلينتون إثر المباحثات الثنائية بينها ونظيرها الهندي إس. إم. كريشنا. وتنص هذه الاتفاقية على السماح للولايات المتحدة بفرض رقابة مشددة على المعدات والآليات العسكرية التي تبيعها للهند، إضافة إلى السماح للهند بشراء ما تحتاجه من الصناعات الحربية الأميركية. وضمن ردود الأفعال على هذه الاتفاقية، اتهمت المعارضة الحكومة الهندية بالتفريط في السيادة الوطنية والمصالح القومية، وهو الاتهام الذي بادرت الحكومة إلى نفيه بشدة كما هو متوقع. بيد أنه ليس من الممكن تقليص تلك الزيارة، والنظر إليها من زاوية إبرام اتفاقية دفاعية واحدة مشتركة بين البلدين فحسب. فقد أكدت كلينتون عزمها الشخصي والرسمي على توثيق العلاقات بين بلادها والهند، وهو العزم الذي يدشن مرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين. بل يجب القول إن زيارتها للهند ولقاءها مع القادة والمسؤولين، ساهما في تبديد أي مخاوف هندية من مدى صدق وجدية نوايا إدارة أوباما الجديدة فيما يتصل بتعزيز العلاقات بين واشنطن ونيودلهي. وبذلك فقد أبدت نيودلهي ارتياحاً كبيراً للحوار الجديد الذي أجرته كلينتون بهذا الشأن. كما كان في اعتراف كلينتون وتأكيدها على أن الهند تعد قوة دولية صاعدة، ما يطمئن على اعتزام واشنطن تطوير علاقاتها مع نيودلهي في مستويات ومجالات عديدة. فقد أعلن كلا الطرفين عن إجراء حوار استراتيجي بينهما وإطلاق مبادرات عديدة، شملت مجالات واسعة مثل التعليم والتغير المناخي والصحة... إلى آخره. ويكتسب هذا الحوار أهميته لكونه ثمرة أول زيارة تقوم بها وزيرة الخارجية الأميركية الجديدة إلى الهند، فضلاً عن أهميته الرمزية بالطبع. كما أثمرت الزيارة أيضاً عن تأكيد ما توصلت إليه صفقة الاتفاقية النووية المشتركة بين أميركا والهند، وذلك بمصادقة الحكومة الهندية على موقعين نوويين للشركات الأميركية، يتوقع لهما أن يعودا على الاستثمارات الأميركية في هذا المجال بمليارات الدولارات. وقد حقق البلدان تقدماً ملحوظاً في علاقاتهما قياساً إلى ما كانت عليه جفوة حقب الحرب الباردة، حيث كانت نيودلهي تتخذ موقفاً معادياً لواشنطن. يجب القول إن التغير في الموقف الهندي إزاء واشنطن قد بدأ منذ أيام إدارة الرئيس الأسبق بيل كلينتون، ثم استمر طوال سنوات إدارة بوش السابقة، حيث شهدت إبرام اتفاقية التعاون السلمي النووي بين واشنطن ونيودلهي. غير أن تحسن العلاقات الأميركية- الهندية إلى هذا الحد لا يرفع عن واشنطن عبء انعدام الثقة التاريخي ولا مسؤوليتها عن مخاوف الكثيرين في الهند، الذين ينظرون إلى أميركا على أنها دولة لا يهمها سوى اعتصار الهند وتحقيق مصالحها القومية الخاصة فيها على حساب مصالح الهند الوطنية. وفوق ذلك كله تبقى خلافات الهند العميقة والجدية مع إدارة أوباما. وقد أشارت هيلاري كلينتون نفسها إلى هذه الخلافات من خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقدته مع نظيرها الهندي "كريشنا" بقولها: كما تعلمون، فإن لبلدينا رؤى مختلفة للمشكلات التي نواجهها وكيفية حلنا لها. لكن وبحكم أن الهند هي أقدم وكبرى الديمقراطيات العالمية، فإننا نتوقع أن نستطيع العمل معاً رغم هذه الخلافات في الرؤى، وذلك بتسليط جهودنا على الأهداف والمصالح المشتركة بيننا، وأن نسعى لتحقيق نتائج ملموسة فيها. واستطردت كلينتون إلى القول: أتمنى أن تكون الشراكة بين الولايات المتحدة الأميركية والهند إحدى إنجازات توقيع حكومتي بلدينا عليها. لكن وعلى رغم هذه الروح والنوايا الحسنة التي أبدتها كلينتون إزاء الهند، إلا إن الخلافات القائمة بين عاصمتي البلدين تبقى رئيسية وكبيرة، طالما أنها تدور حول قضايا هي من صميم المبادئ الجوهرية لإدارة أوباما، وفهمها للقيم الديمقراطية العزيزة عليها. ويمثل التغير المناخي أحد أهم هذه القضايا المختلف عليها بين واشنطن ونيودلهي، بينما تتلخص الأخرى في تمسك إدارة أوباما بالحد من الانتشار النووي. وفي كلتا القضيتين يتوقع أن تمارس واشنطن من الضغوط المكثفة على نيودلهي بما يرغمها من تبني مواقف قريبة من موقف الولايات المتحدة في كلتيهما. فعلى سبيل المثال تتوقع واشنطن من كافة الدول فرض سقف محدد لا تتجاوزه انبعاثاتها من غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الأخرى المسببة للاحتباس الحراري وارتفاع درجات حرارة الأرض. غير أن الهند أعلنت رفضها اتخاذ أي خطوة من شأنها التأثير سلباً على نموها الاقتصادي، سواء كان ذلك بإعاقة تسارع نموه أم الحد منه بأي صورة من الصور. وضمن هذا الموقف أعلنت نيودلهي رفضها فرض أي سقف على انبعاثاتها من الغازات السامة المذكورة. وفي مسألة التغير المناخي نفسها تتخذ الهند موقفاً أقرب إلى الصين فيما يتصل بتمسك الدولتين معاً بعدم رغبتهما اقتسام تكلفة الحد من انبعاثات الغازات السامة والتغير المناخي، اعتقاداً منهما أن الدول الصناعية الغربية الكبرى تحمل هذا العبء وحدها، استناداً على أسبقيتها التاريخية في مجال التقدم الصناعي وعظم دورها في الانبعاثات الملوثة للغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية الأوروبية في منتصف القرن التاسع عشر. أما فيما يتعلق بالحد من الانتشار النووي، فإن من المتوقع أن تمارس واشنطن ضغوطاً مكثفة على نيودلهي خلال المفاوضات التي ستجرى حول مفاوضة الحد من المواد الانشطارية، ثم المفاوضات اللاحقة الخاصة بمعاهدة الحظر الشامل لاختبارات الأسلحة النووية. بل يمكن أن تكون الأزمة النووية الإيرانية موضوع خلاف آخر بين واشنطن ونيودلهي. فمع أنه لا يزال على إدارة أوباما إعلان سياساتها الخاصة بهذه الأزمة، إلا إن من قناعة الهند أنه يحق لكافة الدول الحصول على التقنية النووية السلمية شريطة التزامها بالقوانين والقواعد المنظمة لها. بالطبع لا ترغب الهند في أن تتسلح إيران نووياً، إلا إن موقف نيودلهي من هذه الأزمة لا يزال يثير قلق واشنطن، وهذا ما دفع كلينتون إلى القول برغبة بلادها في بحث موقف الهند من الأزمة الإيرانية. هذا وتظل باكستان، موضوع الخلاف الأكبر بين واشنطن ونيودلهي على أية حال. ذلك أن محور سياسات إدارة أوباما الخارجية يقوم على باكستان، ولا تكف واشنطن عن دفع نيودلهي وممارسة الضغط المستمر عليها لمواصلة التفاوض مع جارتها إسلام آباد. بيد أن الحقيقة هي أن حكومة نيودلهي التي أخذت زمام المبادرة في تدشين المحادثات المشتركة التي جرت بين الطرفين في قمة شرم الشيخ الأخيرة، تجد صعوبة كبيرة في إقناع الشارع الهندي بجدوى التفاوض مع الجار الباكستاني. فما لم تخط إسلام آباد خطوة عملية ضد البنية التحتية للإرهاب داخل حدودها، لا سيما ضد المجموعة الإرهابية التي نفذت هجمات مومباي، فسوف يظل صعباً جداً على حكومة نيودلهي التقدم خطوة واحدة للأمام في اتجاه إقامة علاقة حسنة مع إسلام آباد، وهو ما تريده الولايات المتحدة بالطبع. وإن كان لنيودلهي وواشنطن أن توطدا العلاقات بينهما بالفعل، فإن عليهما تقديم ما يتطلبه ذلك من تنازلات وتضحيات. وهذا من بين الأسئلة المعلقة التي يصعب التكهن بإجابتها بعد. وعليه فإن من المتوقع أن تكون الأيام القليلة المقبلة اختباراً حقيقاً للعلاقات الهندية- الأميركية، ولجدوى زيارة كلينتون للهند. Classifications