لازال المراقبون السياسيون يتابعون بدقة شريط الأحداث في إيران وتطور صراع التيارات والأجنحة في الجمهورية الإسلامية. وفيما تحاول السلطات تثبيت نتائج انتخابات الرئاسة كما أعلنت وتهيئة الأوضاع الداخلية لفترة جديدة من حكم الرئيس نجاد، يتعمق على الجانب الآخر موقف المعارضين الإصلاحيين ويتصلب بعد تبلور موقف رفسنجاني لصالحهم، وبعد تعثر أولى خطوات الرئيس حيث اضطر صهره للاستقالة بعد ثلاثة أيام من تعيينه نائباً أول! ونحن الآن كما يرى بعض المحللين، في الجزء الثاني من المرحلة الثالثة من الثورة الإيرانية! إذ يرى د. محجوب الزويري، الذي عرضنا أفكاره في مقال سابق، وهو بالمناسبة يعمل أستاذاً مساعداً للشؤون الإيرانية في مركز الدراسات بالجامعة الأردنية، وحاصل على شهادة الدكتوراه في تاريخ إيران المعاصر من جامعة طهران في عام 2002، أنه خلال 28 عاماً على الثورة في إيران، يمكن الحديث عن ثلاث مراحل سياسية، هي: المرحلة التي سيطر فيها التيار المحافظ التقليدي (1979-1980)، والمرحلة الإصلاحية (1997-2005)، ومرحلة المحافظين الجدد (2005- حتى الآن). وكان خاتمي، الذي سبق نجاد، هو محور التيار الإصلاحي. وقد ابتكر مفهوم "الديمقراطية الإسلامية" لسد الطريق على ما أثير حول ليبراليته وليبرالية مؤيديه. أما بالنسبة لتيار المحافظين الجدد، الذي يمكن تسميته بالشعبوي، يقول د. الزويري، فيبدو أن نجاد هو محوره، وسياسته التحدث عن المناطق المحرومة والأقل تنمية وتطويراً للخدمات فيها. وكان خطاب تيار المحافظين يركز دائماً على البعد الديني باعتباره الملهم للثورة، وهو خطاب يقدم الدولة بصفتها الوصية على الشعب في تفكيره وحياته الخاصة. وهذا ما أدى في النهاية إلى إقصاء فئات من الإيرانيين لا تبدو مقتنعة بهذا الخطاب، بل صارت تتطلع للتغيير، ولا سيما فئات الشباب والمرأة في المجتمع الإيراني، والتي رأينا قوة تحركها في الشارع بعد إعلان نتائج الانتخابات، إذ يبدو أن الخطاب الإصلاحي قد نجح إلى حد كبير في تقديم إجابات على الكثير من عناصره. ولم تتح الفرصة كاملة لتيار الإصلاحيين بقيادة خاتمي أن يحفر عميقاً في الوعي الديني العام باتجاه التحديث. "فالرئيس نجاد أعاد مسألة (المهدي المنتظر) إلى دائرة الحياة العامة للإيرانيين، وقد بلغ الأمر حداً فسّر فيه تزايد الأزمات السياسية والاقتصادية على أنه يمهد لظهور المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً". وهو تفسير لم ينل حتى قبول عامة المحافظين! ويبدو لنا طرح الرئيس نجاد متناقضاً من الأساس! فهو من جانب يستعجل خراب الدنيا كي يخرج "المهدي المنتظر"، وهو من جانب آخر نادى بمسؤولية الدولة عن توفير الرفاهية للمواطنين مهما كان تضرر البناء الاقتصادي للدولة! وهو يريد من ناحية أن يعم البؤس والشقاء كي يمهد بذلك لعودة الإمام المهدي، ويتحدث من ناحية أخرى عن توزيع عوائد النفط لـ"تصل إلى مائدة كل إيراني"، وهي المقولة التي عززت نجاحه عام 2005. ويرى تيار المحافظين الجدد أن "الإصلاح السياسي" لا معنى له ولا مبرر في ظل سيادة "النظام الإسلامي"، فقد قالت الشريعة الإسلامية كلمتها ولا مجال لأي إضافة أو بديل! ومن هنا، فدعوة المحافظين الجدد والقدماء أن أولوية الدولة ينبغي أن تكون اقتصادية. "لذلك نجد في أدبياتهم التأثر بالنموذج الصيني، الذي يركز على الاقتصاد بوصفه الأولوية والضمانة لتقوية نفوذ الدولة بين مواطنيها". ولكن المحافظين الإيرانيين لا يعيرون انتباهاً كافياً في اعتقادي إلى أن تحويل الاقتصاد الإيراني إلى اقتصاد صناعي واقتصاد تصدير وأسواق خارجية، يحتاج إلى تغييرات أساسية في سياسة إيران الداخلية والخارجية. فرؤوس الأموال الأجنبية والخبرات الغربية والأسواق الدولية لها حالياً مخاوفها من السياسات الإيرانية الداخلية والخارجية، كما أن إيران بعيدة جداً عن أن تكون "بوشهر" مثلاً "شنغهاي"! ولابد من انفتاح اقتصادي وسياسي واجتماعي واسع، قبل أن تتحول طهران إلى بكين العالم الإسلامي! ثم إن "النموذج الصيني" بحاجة إلى دول مستوردة ذات قوة شرائية دائمة. والكل يعرف مدى اعتماد الصين على تجارة التصدير مع الأسواق الأميركية والأوروبية. فهل يمكن للمحافظين الجدد والرئيس نجاد أن يتحمسا لمثل هذه السياسات "الانفتاحية"، والتوجهات الاستثمارية والتجارية التي تتعارض مع العسكرة والقنابل النووية ومعاداة الغرب وغير ذلك؟ لا يبدو ذلك حتى الآن! ونعود إلى ورقة د. الزويري، فنراه يتحدث في فقرة عن رؤية الإصلاحيين الاقتصادية في زمن الرئيس خاتمي، ويقول: "لقد عمل التيار الإصلاحي على وضع إطار تشريعي يعزز ثقة المستثمرين الأجانب بخاصة، وذلك من خلال تفعيل المادة 44 من الدستور، التي تتحدث عن الاستثمارات الخارجية، وكذلك تمرير الخطة الاقتصادية 2005-2010، التي تتضمن تغيرات جوهرية في النظام الاقتصادي الإيراني" (ص 148). جدير بالذكر هنا، أن المادة 44 من الدستور تنص على أن الاقتصاد في جمهورية إيران الإسلامية يتكون من ثلاثة قطاعات: العام والتعاوني والخاص. وأن القطاع الخاص "يتألف من تلك الأنشطة المعنية بالزراعة وتربية الحيوانات، والصناعة، والتجارة، والخدمات التي تكمل الأنشطة الاقتصادية للدولة والقطاع التعاوني. والملكية في كل من هذه القطاعات الثلاثة محمية بموجب قوانين الجمهورية الإسلامية". لقد فتح موضوع الخصخصة حواراً حاداً بين التيار المحافظ والإصلاحي الذي كان في السلطة آنذاك. ويبدو أن التيار المحافظ بدأ يشعر بالخطر الذي يهدد بعض مصالح النخبة المحافظة، التي كانت ترى أن السيطرة على تلك المؤسسات جزء من تعزيز نفوذها السياسي. ومن عجب أن تكون جماعة "محافظة" و"يمينية" ضد الخصخصة، وتكون "الإصلاحية"، التي ينبغي أن تكون "يسارية" معها! ومن عجب كذلك، ثانياً، أن يركز المحافظون التقليديون في تنافسهم مع خاتمي وتياره، على الخطاب الثوري المنتقد للآخر، بينما يتقدم الإصلاحيون بخطاب متصالح مع الآخر! فالمحافظون واصلوا الانطلاق من ثوابت الجمهورية الإسلامية، "وهي ثوابت تركز على نشر النموذج الإيراني -تصدير الثورة- المقاوم للظلم والاستكبار. بينما كانت السياسة الخارجية البديلة التي طرحها التيار الإصلاحي تميل إلى نزع فتيل الأزمات وتعزيز الثقة مع الجوار الإيراني، ولا سيما العربي والإسلامي منه. كما عززت إيران علاقاتها مع أوروبا والدول الآسيوية كاليابان." وكانت ثقة العالم بسياسة إيران الخارجية امتداداً للثقة بسياساتها الداخلية في ميادين الحريات الاجتماعية والإعلامية والعمل السياسي والإصلاح الاقتصادي. وهكذا، وكما يلخص الباحث ثمار سياسات خاتمي، كان التأثير الذي تركته هذه الخطوات على صورة إيران واضحاً، إذ أعاد إلى حد ما، إيران إلى الساحة الدولية. إن ثالث ما يلفت النظر في تحليل خصوصيات السياسة الإيرانية في هذا المجال، أي التنافس بين التيارين، هو أن "المحافظين" يطالبون عامة الشعب بما في ذلك ربما كبار السن منهم، بالحماس لمبادئ الثورة وحتى تصديرها، بينما يركز "الإصلاحيون" خطابهم على الشباب والنخبة المثقفة والمهنية، وهو خطاب يدعو إلى الانفتاح والاعتدال والتنمية والبعد عن الشعارات الثورية الموروثة. "لقد انتهى ربيع السياسة الخارجية الإيرانية"، يقول د. الزويري، في خريف 2005، حيث تسلم نجاد سلطاته. إذ دفع هذه السياسة في اتجاه مخالف للمسار السابق. وعادت أجواء التوتر والعزلة، تغلف هذه السياسة من جديد. ويحذر د. الزويري من أن الوقت ينفد أمام التيارين، وقد لا يكونان أفضل خيارين للناخب الإيراني في أي انتخابات قادمة! كما "أن المزاج العام في إيران، رغم إخفاقات التيار الإصلاحي، ما زال متأثراً بأجواء الانفتاح التي بدأت في الفترة الإصلاحية، وكأن قاعدة واسعة من الشعب ترى أن ذلك الانفتاح أصبح حقاً خالصاً لها لا تفريط فيه". (الخليج بين المحافظة والتغيير، 151). ولعل هذه الملاحظة الختامية تفسر هذه الصدامات الواسعة التي شهدتها إيران وطهران بالذات بعد إعلان النتائج، والتي لا تزال ذيولها تتوالى، بعد إعلان فوز الرئيس نجاد.. لدورة ثانية!