هناك مشكلات عميقة في سوق العمل، لعلّ أبرزها نقص مستوى التوطين في القطاع الخاص، وكيفية توفير العمالة المدرّبة والماهرة، وتراجع نسب التوطين في الهيئات الحكومية المختلفة وتفاوتها؛ ووفقاً لمسح أجرته وزارة الاقتصاد، مؤخراً، يشكّل المواطنون 0.36 في المئة من العاملين في القطاع الخاص، البالغ إجماليهم 4.08 مليون عامل، يعمل نصفهم في قطاع البناء. وعدم جاذبية القطاع الخاص بالنسبة إلى المواطنين، يرجع بالأساس إلى تدنّي مستوى الأجور فيه، والشعور بعدم الاستقرار الوظيفي، بالمقارنة مع العمل لدى الهيئات الاتحادية والجهات الحكومية. وهذا يثير تساؤلاً حول مدى فاعلية الخطط الرامية إلى تنفيذ استراتيجية التوطين في هذا القطاع؟ حيث قامت هذه الخطط بالأساس على استخدام نظام الحصص والحوافز والتدريب لتشجيع القطاع الخاص على توظيف العمالة المواطنة، إلا أنه ثبت أن نظام المحاصصة أدى إلى قيام مؤسسات وشركات القطاع الخاص المعنية بالالتفاف حول هذا النظام وعدم الالتزام به. ودلالة هذا، أن القطاع الخاص ما زال -حتى الآن- لا يبدي أي قناعة بأهميّة التوطين باعتباره ضرورة وطنية ملحّة، وبسبب غياب هذا الاقتناع الذاتي تظهر محاولاته المستمرة في التهرّب من مسؤوليته في هذا الصّدد. ويكفي للتدليل على ذلك استغلال بعض شركات القطاع الخاص خلال الفترة الماضية "الأزمة المالية العالمية" كمبرّر للاستغناء عن مواطنين لديها، وحينما تصدّت لها وزارة العمل وأصدرت قراراً يحدّد ضوابط صارمة للاستغناء عن المواطنين أو إنهاء خدماتهم، عملت هذه الشركات على التحايل على هذا القرار من خلال التوجّه إلى تخفيض رواتب بعض المواطنين العاملين لديها بهدف إجبارهم على ترك العمل دون أن تتحمّل بشكل رسمي المسؤولية عن ذلك. إن المشكلات التي يعانيها سوق العمل في الدولة تبدو مترابطة، ولا يمكن الفصل بينها، فضعف نسبة التوطين في القطاع الخاص مثلاً يرجع بالأساس إلى تدنّي نسبة الأجور فيه بالمقارنة مع القطاع العام. كما أن نقص العمالة المدرّبة المواطنة يرجع في جانب منه إلى الفجوة بين مخرجات العملية التعليمية ومدخلات سوق العمل. وتأسيساً على ما سبق، فإن أي استراتيجية فاعلة لتنظيم هذا السوق ينبغي أن تأخذ في اعتبارها هذه المشكلات مجتمعة. وهذا يتطلّب أولاً: العمل على تصحيح الأخطاء الهيكلية التي يعانيها القطاع الخاص، والتي تشكّل العائق أمام عملية استقطاب القوى العاملة المواطنة إلى هذا القطاع، وهذه الأخطاء تتعلّق بنظام الأجور والرواتب والضمان والاستقرار الوظيفي. ثانياً إيجاد حلقة متكاملة تربط بين مختلف الجهات المعنية بسوق العمل، بحيث يكون محور ارتكاز هذه الحلقة هو الجهة الرسمية المعنية بالتخطيط الاتحادي، حيث تتجمّع البيانات والإحصاءات الدقيقة حول المشروعات المستقبلية واتجاهات التنمية المستقبلية وسياساتها وما توفره من فرص عمل متوقعة، والنصيب المتوقع للمواطنين من هذه الفرص مع التحديد الدقيق للمستويات المهنية والعلمية المطلوبة. ثالثاً: الربط بين سياسات التعليم وخطط التدريب وتطويرها وتعديلها بما يتناسب مع خطط التنمية المستقبلية، وبما يضمن في النهاية أعلى مستوى من التخطيط والتنسيق والتكامل بين أضلاع المثلث التخطيطي الثلاث، المتمثّلة في التعليم والقوى العاملة والمشروعات التنموية المستقبلية. إن تنظيم سوق العمل وإعادة هيكلة علاقات العمل باتا خطوتين ضروريتين مطلوبتين ليس لاستكمال جوانب الصورة النمطية الإيجابية للدولة على الصعيد الدولي فقط، ولكن كذلك لأن استمرار عملية التنمية بات يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإصلاحات الهيكلية في هذا الملف أيضاً. ______________________________ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.