"لقد أثبت الدين - ولا يزال - أنه قادر على مسايرة الحداثة في كافة أشكالها، السامي منها والرديء"، هذا ما يحاول إثباته كل من "جون ميكليثويت"، رئيس تحرير مجلة الإيكونومست، و"أدريان وولدريدج" مدير مكتبها في واشنطن، في كتابهما الذي نعرضه هنا وعنوانه: "كيف يؤدي الإحياء الديني إلى تغيير العالم؟". فمن المعروف أن الدين كان في نظر الماركسيين والليبراليين ظاهرة ترتبط بطفولة الجنس البشري، ويتصل بمحاولة الإنسان منذ بدء الخليقة إيجاد تفسير لما يراه حوله من ظواهر محيرة، وأنه كلما ازداد المجتمع تطوراً كلما قل حضور الدين ودوره في الحياة سواء العامة أوالخاصة. هذا الطرح، كما يقول المؤلفان، لم يناقش أبداً، حيث كان الناس يصدقون عادة ما يقوله رجال الدين الإنجيليون في عظاتهم دائماً، وهو: إذا ما أردت أن تكون عصرياً فعليك أن تقول وداعاً للرب! يذهب المؤلفان للقول إن التأكيد بأن الدين لا بد أن يموت يوماً ما هو في صميمه اعتراف بالإيمان. ويعترف المؤلفان بأنهما يدركان جيداً أن أي عدد من الأدلة الدامغة على استمرار دور الدين، أو تعاظم حضوره ونفوذه لن يكون كافياً لإقناع العلمانيين بأنهم يقفون في الجانب الخطأ من التاريخ. ففكرة أن الحداثة والدين يقفان على طرفي نقيض هي في رأي المؤلفين نوع من التعميم الذي ظهر وساد في أجزاء من أوروبا، بناء على تجارب مرت بها تلك الأجزاء، الأمر الذي جعلها، وإلى حد كبير، تعيش في عصر "ما بعد المسيحية"، ولا تتبع شعوبها الشعائر والتعاليم التقليدية، لكن الأمر ليس كذلك في بقية أنحاء العالم، لا سيما الولايات المتحدة التي كان شعبها منذ تأسيسها متديناً في معظمه دون أن يحول هذا بينه وبين تبني الحداثة. وهذه الحداثة التي وصلت إلى أعلى تجلياتها في الولايات المتحدة لم تؤدِ إلى أفول الدين كما يذهب إلى ذلك كثير من العلمانيين، بل شهد الدين مداً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. وفي سبيل تأييد وجهة نظرهما، لا يكتفي المؤلفان بتناول سطوة الدين في الولايات المتحدة، بل يذهبان إلى أماكن أخرى غير متوقعة ليثبتا مثلاً أن قطاعات السكان المتدينة في الصين هي الأكثر تقدماً ورخاءً والأكثر تعليماً والأكثر احتواءً على المهندسين والأكاديميين مقارنة بالفئات الأخرى، وأن تلك الفئات من المتدينين، ومنهم كثير من الأكاديميين والعلماء، تعقد حلقات دراسية وندوات منتظمة في مدينة شنغهاي التي تعتبر أكثر المدن الصينية تطوراً، لمناقشة موضوعات دينية. والمؤلفان يذهبان إلى القول إن "قوى الحداثة الكبرى"، ويقصدان بها: التقنية، والديمقراطية، وحرية الاختيار، والحرية الشخصية... تساهم جميعها من حيث الجوهر في تعزيز الدين وزيادة مكانته وليس تقويضه، حسب الاعتقاد السائد لدى كثير من العلمانيين. كما يريان أيضاً "أن العالم بشكل عام يمضي في الاتجاه الأميركي نفسه الذي يتعايش فيه الدين مع الحداثة بيسر وسلاسة". لكن طرح المؤلفين حول هذه النقطة يبدو مبالغاً في يقينيته، لدرجة تدفع للشك في أن يكون هدف المؤلفين، وأحدهما كاثوليكي والآخر ملحد، هو التبشير بالطريقة الأميركية في الحياة، مما يجعل من طرحهما أقل قابلية للتصديق. ذلك أن الدفع بأن نموذج العلمانية العالمية مخطئ، وأن تقلص دور الدين في أوروبا ليس قابلاً للتكرار في أماكن أخرى من العالم، شيء... وإثبات أن النمط الأميركي من الإيمان الديني ينتشر في كل مكان تقريباً، شيء آخر تماماً. إحدى المشكلات التي واجهها المؤلفان وأدت إلى ذلك الخلط هو مفهومهما للدين. فالدين بالنسبة لهما يعني، كما يتبين من طرحهما، الإيمان بإله واحد، كما في الديانات التوحيدية الكبرى فقط، أما الأديان الوضعية التعددية وغير التوحيدية كتلك السائدة في القارة الآسيوية مثل الهندوسية والبوذية، فلم يبدِ المؤلفان اهتماماً كبيراً ببحث ماهيتها، حيث لم يخصصا لها سوى صفحات قلائل من كتابهما، بل وهناك نوع من الافتراض الضمني في دفوعهما بأن الطريقة الأميركية في الإيمان الديني يمكن أن تنجح هناك أيضاً! والشيء الذي يمكن أن يقلل من حجم الانتقادات الموجهة لهذا الكتاب هو أنه موجه بالأساس للقارئ الأميركي، لكن ليس هناك شك في أنه كان يمكن أن يكون أكثر فائدة، لو أن المؤلفين أضافا إليه ما يعطي القارئ فكرة عن الطريقة التي يتحرك بها العالم في أماكن أخرى. وإلى ذلك، فما يقوله المؤلفان عن الانتشار العالمي السريع للطريقة الأميركية في التدين، لا يجب أن يفهم منه أن تلك الطريقة قادرة على غزو كافة بقاع العالم. وإذا ما كانت أساليب العمل الأميركية، والأزياء الأميركية، والمأكولات الأميركية، قد انتشرت بشكل أسرع من مثيلاتها الأوروبيات، فذلك لا ينطبق، كما اعتقد الكاتبان، على الدين أيضاً. الدين والحداثة يمكن أن يتعايشا بسلاسة، لكن ليس ضرورياً على الإطلاق أن يصبح هذا النمط من التعايش أميركياً. فالشعوب المختلفة لها خصوصيتها التي تميزها عن غيرها، وهي ليست مستعدة للتخلي عن تلك الخصوصية والاستسلام لغزو المفاهيم والعقائد والطرائق الأميركية في فهم الدين وتطبيقاته، خصوصاً على ضوء ما يحتله الدين من مكانة في تاريخ الشعوب لا سيما الشعوب الآسيوية. سعيد كامل الكتاب: عودة الآلهة: كيف يؤدي المد الديني إلى تغيير العالم المؤلفان: جون ميكليثويت وأدريان وولدريدج الناشر: بنجوين برس إتش سي تاريخ النشر: 2009