للتاريخ مقاصد عديدة، فهناك من يرجع إليه بحثاً عن مجد ضائع وهرباً من حاضر متردٍ، وهناك البعض الآخر من يريد استحضار اللحظات المهمة إما لفهم ما يجري راهناً من أحداث، أو لتبرير البعض منها وأحياناً أخرى لخلق هوية متخيلة تساهم في انبثاق مجتمع أو بلد جديدين. ومهما تنوعت الأهداف التي تدفعنا إلى قراءة التاريخ والعودة إليه، فإنه غالباً ما يتم الخلط المقصود بين الحقائق التاريخية الصلبة وبين الاستنتاجات والقراءات المختلفة التي توظف لأغراض أيديولوجية في الحاضر خدمة لأجندات سياسية أو قومية ضيقة. لذا يكتسي التأليف التاريخي أبعاداً ليست بريئة تماماً عندما تُقارب موضوعاته من زاوية الحاضر، بإكراهاته المتعددة التي توجه أحياناً قلم المؤرخ غير المحترف ليتحول التاريخ إلى لعبة خطرة، كما تؤكد ذلك المؤرخة الكندية وأستاذة التاريخ بجامعة أوكسفورد العريقة، "مارجرت ماكميلان"، في كتابها الذي نعرضه هنا وعنوانه "اللعبة الخطرة: استخدام وإساءة استخدام التاريخ". وهي هنا تقارب الإشكالات التاريخية بحياد كبير أظهرته في مؤلفات عديدة ومتنوعة تناولت فيها فترة الاستعمار البريطاني للهند، وتسوية السلام الأوروبية بعد الحرب العالمية الأولى، وغوصها في تفاصيل العلاقة بين الرئيس الأميركي نيكسون والصين... ليأتي الكتاب الأخير كدراسة مستقلة للتاريخ بعيداً عن حدث بعينه مندرجاً بذلك في إطار التأليف عن التاريخ الذي يغدو هو نفسه موضوعاً للدرس والتحليل. فالكتاب هو إدانة صريحة للأساليب والطرق المختلفة التي يلجأ إليها بعض المؤرخين والمشتغلين على أحداث الماضي للَيِّ عنق التاريخ وطرح قراءات مغلوطة تغذيها دوافع سياسية مكشوفة لتبرير الحاضر أو لخلق صورة مشوشة عن الماضي بهدف تمرير سياسات معينة وتسويغ ممارسات لا تتفق والقيم الإنسانية مثل الاحتلال وغيره. وفي انتقادها، توجه اللوم إلى جماعة من المؤرخين ظهرت في السنوات الأخيرة تفتقر للانضباط الأكاديمي الذي يحقق الموضوعية في مقاربة التاريخ واستنطاق الوثائق والشواهد الأساسية، لا سيما هؤلاء الذين انجروا وراء موجة ازدهرت مؤخراً تهمش التاريخ السياسي للدول والمجتمعات على حساب علم الاجتماع والدراسات الثقافية. فبدلاً من الانكباب على التحولات الكبرى للأمم وتداعياتها المفصلية، ينشغل المؤرخون الذين تنتقدهم المؤلفة بالجزئيات التي لا تساعد على رسم الصورة العامة ولا تتيح ربط الأحداث ببعضها البعض ليسقط علم التاريخ في مهاوي التشظي والتذرر. وفي هذا الإطار، تسوق الكاتبة بعض الأمثلة من دراسات كثيرة تهتم بتاريخ وجبة طعام معينة وتأثيرها في سيكلوجية المجتمع. والأكثر من ذلك، تنتقد الكاتبة أيضاً الدراسات التاريخية التي تركز على الهوية، لا سيما تلك التي تؤسس لما تسميه "تنافس غير لائق على الشعور بالاضطهاد" والسعي إلى تكريسه لدى أجيال تتشرّب ذلك الشعور بما يستتبعه من تداعيات سياسية. وتصر الكاتبة على تذكيرنا بأنّ التاريخ هو صناعة تشرف عليها مجموعة من المشتغلين بحقل التاريخ في المؤسسات الأكاديمية والذين نشأوا مع ظهور الدولة الأمة والتي تحذر منها المؤلفة، فالدارسات التاريخية، كما هي متعارف عليها اليوم، بتقاليدها الأكاديمية ومناهجها البحثية ومؤسساتها الوطنية، لم ترَ النور إلا في القرن التاسع عشر. وليس غريباً أن يتزامن تطور البحث التاريخي بأساليبه الحديثة مع نشوء مفهوم الدولة الأمة وترسيخ فكرة الدولة التي تبسط سيطرتها السياسية والشرعية على مجموعة من السكان بالنظر إلى الدور الذي لعبه التاريخ في إقناع هؤلاء السكان للعيش في إطارٍ واحدٍ من خلال تشكيل مجتمع منسجم يخضع لكيان سياسي يحكمه بدل أنماط الحكم التقليدية التي تدين بالولاء للقبيلة أو غيرها. هذا التحول في تنظيم المجتمعات واستحداث كيانات مستقلة، والذي سيتطور لاحقاً ليصبح الدولة، كان للتاريخ دور مهم في تأسيسه، وهو ما تعبر عنه المؤلفة بـ"المجتمع المتخيل"، إذ رغم كل ذلك الحديث عن الأمم الخالدة، تقول المؤلفة، "فإنها جميعاً نتاج البشر وفي المقدمة منهم المؤرخون". وتشير الكاتبة إلى دور آخر للتاريخ يزاحم من خلاله الدين نفسه بتحديده "للمعايير الأخلاقية وعملية تمرير القيم"، فبدلاً من توقع حكم موضوعي ومنصف للتاريخ، كما يسعى إلى ذلك المؤرخون المحترفون، أصبح التاريخ أحد وسائل تأكيد الهوية وترسيخ القيم وضمان تماسك الأجيال ولحمة الوطن، وهو ما يفسر في نظر الكاتبة تحول التاريخ إلى ساحة معركة حامية تدار فيها أشرس الحروب الثقافية التي عادة ما يقف في صفوفها الأولى المؤرخون باعتبارهم صناع التاريخ. ومن المهم، الإشارة إلى الطريقة المختلفة التي تتعامل بها الدول مع التاريخ كما تثبت ذلك الكاتبة، فشعوب البلقان مثلاً "تنتج من التاريخ أكثر مما تستهلك" على حد قول "تشرشل"، كما أن ثقل تاريخهم مازال مستمراً بقوة في الحاضر، وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على ألمانيا التي مازالت تعيش على ذكريات النازية والهولوكوست بخلاف اليابان التي يشاع أنها لم تعد تتذكر إلا القليل من فظاعات الحرب العالمية الثانية، الشيء الذي يثير إزعاج جيرانها الآسيويين. زهير الكساب الكتاب: اللعبة الخطرة: استخدام وإساءة استخدام التاريخ المؤلفة: مارجرت ماكميلان الناشر: مودرن لايبريري تاريخ النشر: 2009