"إذا خرجت السمكة من النهر، وقالت لك إن للتمساح عيناً واحدة فصدّقها". يقول ذلك مثل أفريقي، فما الغرابة في تصديق رسائل "إنترنت" باراك أوباما التي يأذن بنشرها في بعض الصحف الغربية؟ يُعلقُ أوباما في رسالة له هذا الأسبوع إلى مدير "وكالة المخابرات المركزية" على تقرير يتهم نائب الرئيس السابق تشيني بتشكيل فرق اغتيال، ويقول: "إذا كان تشيني هو الذي سيقوم بالاغتيالات بنفسه، فلا فرصة إطلاقاً لاغتيال شخص واحد"! قد تبدو الرسالة مازحة، لكن نشرها مزحة رئيس أميركي أفريقي يدرك الأخطار التي تهدده! هذا النوع من المزاح يفهمه العراقيون الذين اغتيل منهم، منذ الاحتلال، مئات الآلاف، وشُرِّد الملايين، لكنهم لا يفهمون مزحة المصالحة التي يحث عليها أوباما خلال لقائه برئيس الوزراء العراقي. والعراقيون لم يشهدوا عبر آلاف الأعوام من تاريخهم حرباً أهلية كتلك التي وقعت بين الأميركيين قبل أقل من قرنين، وقُتل فيها 620 ألف مجند، وما لا يُعرف عدده من السكان المدنيين. والمصالحة المطلوبة ليست بين سكان العراق الذي تتعايش فيه أقدم الأديان والعقائد منذ فجر التاريخ، بل بالأحرى بين سكان الولايات المتحدة الذين يفخرون بأن بلدهم "وعاء تذويب"melting pot مواطنيه! والمصالحة المطلوبة بين الأميركيين تمر عبر المصالحة مع العراقيين، وتدخل في روح ونص "اتفاقية الإطار الاستراتيجي"، وعلى جميع مستوياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية والعلمية التكنولوجية. فهذه الاتفاقية التي يراجع أوباما والمالكي حالياً سير العمل فيها، أضفت الشرعية على الغزو، وأعفت مرتكبيه من المسؤولية حين اعتبرت الغزو "وجوداً مؤقتاً لقوات الولايات المتحدة في العراق بطلب من حكومة العراق ذات السيادة". كيف يمكن ابتداءً تصديق ذلك، والتوقيع على الاتفاقية جرى قبل ثمانية أشهر من إعلان بغداد الشهر الماضي عن استرداد السيادة؟! ومن يضمن أن يكون هذا الإعلان الأخير، وليس الآخر، في سلسلة إعلانات رؤساء العراق المتعاقبين منذ الاحتلال عن استعادة السيادة؟! والملف الأول الجدير بأن يبحثه أوباما والمالكي في اجتماعهما هو ملف "الغزو". إنه "الملف الأصلي" على غرار "الخطيئة الأصلية" في العقيدة المسيحية، حسب أحد واضعي سيناريوهات الانسحاب من العراق. والمفارقة أن أوباما أكثر معرفة بهذا من المالكي. وهل يعرف الغزو أفضل ممن انتخب رئيساً لأنه عارضه؟ والخطوة الأولى المطلوبة في تحقيق المصالحة بين العراقيين والأميركيين تبدأ بنص في الاتفاقية الأمنية تتعهد بموجبه واشنطن عدم غزو العراق واحتلاله مرة أخرى. تعهد كهذا ينبغي أن يكون مدعماً بضمانات قانونية، في المقدمة منها تعويض العراقيين عما لحقهم من أضرار فادحة. فالاحتلال حوّل دولة مستقلة ذات سيادة وعضواً مؤسساً في الأمم المتحدة إلى بلد منتهك قانونياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً. وهذا هو أساس الاضطرابات والويلات التي لا يعلم إلاّ الله متى تتوقف. فأينما نظرتَ في أوضاع العراق تجد مشاكل تتصل بتلك "الخطيئة الأصلية". إنها لحظة الخلق، إذا صح التعبير، والتي يعاني تشوهاتها "الخَلقية" الدستور والبرلمان والجيش والأمن وجميع أجهزة الدولة، بما في ذلك الأجهزة المسؤولة عن الصحة والبيئة والري والتعليم. تعيد تلك اللحظة إنتاج تشوهاتها في مسلسل الاحتفالات باستعادة السياسة والاستقلال الذي عاشه العراقيون خلال سبع سنوات من الاحتلال. فقد أعلن أخيراً عن خطة "البنتاجون" إرسال ست مجموعات من "كتائب الاستشارة والدعم" يبلغ مجموع عدد أفرادها 21 ألفاً. ولاحظت صحيفة "كريستيان ساينس مونيتور" التي أوردت التقرير، أن ذلك يجعل الحديث عن سحب القوات عرضاً مسرحياً للجمهور الأميركي والعراقي، وليس بالأحرى تغيير المهمة. فالقوات الأميركية المسلحة تحتفظ بالقدرة على القيام بعمليات هجومية مسلحة عند الحاجة إلى ذلك. وما بين بغداد وواشنطن أعمق غوراً مما بينهما وأي عاصمة أخرى، إنه عمق في حجم ملايين القتلى والجرحى والمشردين واللاجئين، وتريليونات الدولارات الضائعة. تقدم فكرة عن ذلك أحدث الأرقام التي تعدها دورياً وكالة "أ. ب" حول أوضاع العراق، وفيها أن عدد القوات الأميركية لا يزال حتى مطلع الشهر الحالي 133 ألفاً، وعدد قتلى القوات المسلحة الأميركية بلغ في أقل تقدير 4318، إضافة إلى ما يقرب من 1500 قتيل من المتعاقدين والموظفين المدنيين الأميركيين، أما الجرحى فنحو 38 ألفاً. بينما بلغ عدد قتلى العراقيين بسبب الحرب في الشهر الماضي فقط نحو 450 في أقل تقدير، ويبلغ هذا نحو ضعفي عددهم في شهر مايو والبالغ 225 قتيلاً. وبلغ عدد الصحافيين الذين قتلوا أثناء تأديتهم واجبهم 139 وعدد الأكاديميين الذين اغتيلوا 423. وتجاوزت كلفة الإنفاق على الحرب مطلع هذا الشهر 683 مليار دولار. ويعادل هذا مجموع الإنفاق الأميركي على حرب فيتنام، ولا يزال إنتاج النفط في العراق أقل من مستواه قبل الحرب والبالغ مليونين ونصف المليون برميل. وبلغ عدد اللاجئين العراقيين حتى مطلع الشهر الحالي نحو مليونين، معظمهم في سوريا والأردن، إضافة إلى نحو ثلاثة ملايين مهجرين في الداخل. وفي التعامل مع الولايات المتحدة، يعرف العراقيون بالغريزة نصيحة مؤسسها جورج واشنطن: "لا خطأ هناك أعظم من توقع، أو الاعتماد على أفضال حقيقية يقدمها بلد إلى بلد". فانسحاب قوات الاحتلال قد يعني العودة إلى وضعها خلال الغزو، والذي اعتمد وفق خطة وزير الدفاع الأسبق رامسفيلد على قوات قليلة العدد، خفيفة الحركة، أو يعني عودة الاحتلال إلى وضعه ما قبل الغزو، حين كان البلد شبه محتل بالحظر الشامل فترة نحو 14 عاماً، ولم تكن حكومته تملك خلالها حق تحريك قواتها في ثلثي أراضي البلاد، أو التصرف بمواردها النفطية التي تشكل نحو 95 من الدخل الوطني دون إذن من مجلس الأمن وفق "برنامج النفط مقابل الغذاء"، والذي تتحكم به واشنطن ولندن اللتان غزتا العراق عام 2003. وتثير دعوات واشنطن للمصالحة تشاؤم مراقبين أكاديميين متابعين للشأن العراقي، بينهم الأكاديمي النرويجي ريدار فايسر المعروف بمؤلفاته عن العراق. يلاحظ فايسر أن أوباما الذي طمأن العراقيين في أول خطاب موجه لهم بأنه لن يفرض عليهم تفسيره الخاص للمشاكل التي يواجهونها أو طرق حلّها، عاد إلى استخدام لغة الإدارة السابقة حول ما يتوجب على بغداد، وما يود "رؤيته من تقدم سياسي كبير في العراق، حول المفاوضات بين السنة والشيعة والأكراد"، ودعوته "إلى حل المشاكل السياسية الرئيسية التي تتصل بالفديرالية، والحدود، واقتسام موارد النفط". ويذكر الأكاديمي النرويجي أن هذه المصالحة تجعل "من المستحيل قيام العلمانية في العراق؛ لأن أميركا لا تريد أن تجري أحاديث جدية إلاّ مع أولئك الزعماء الذين يتوجهون نحو المشاعر الإثنية والطائفية، وعقد صفقة كبرى معهم على أساس ذلك".