أتاح مهرجان الدوحة للإبداع والحرية الفرصة للمثقفين القطريين للتعرّف على مفاهيم نظرائهم العرب حول مصطلح الحرية في الإبداع. وهو موضوع مُهم ليس في مجال الإبداع فحسب، بل في مجالات الحياة كلها. ولعل أهمها الحرية الشخصية، وحرية النشر وتلقي الأفكار والمعلومات استناداً إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (مادة 19). وللأسف، فهنالك مَن أدخل الحرية "بيت الطاعة" وفرض عليها "النقاب"، وجعلها تحادث الناس من وراء "حجاب"! وذلك بدعوى "قصورها" والخوف عليها من الانزلاق أو الانحراف أو الطيش، عندما تُوردُ المتحدثين إلى الخطوط الحمراء التي تخطها بعض الإدارات دون مراعاة لتطور مفاهيم الحياة وقيام الدول بتوقيع مواثيق الحرية في المنظمات الدولية. وإذا كانت آراء المثقفين العرب -الذين للأسف لم يلتقوا إلا بمجموعة تعد على رؤوس الأصابع من المثقفين القطريين- قد ركزت على ضرورة أن يعيش الإبداع في مناخ حُر نقي، وهو أساس أي عمل إبداعي، فإننا نستغرب أن تتدخل بعض الأطراف في قضية الحرية، وتقوم بضربها بالمنجنيق أو سحلها -على طريقة السحل العراقية- أو تطالب بإقامة "جوانتانامو" أو "أبوغريب" آخر لهذه الحرية. تقول الروائية العربية أحلام مستغانمي التي أبدعت في الرواية العربية عبر "ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس" و"عابر سرير"، والتي كانت ضيفة المهرجان، تقول: "إن المبدع العربي هو الابن الشرعي للخوف. لا ولاء له إلا له! لا يغادر دوائر الخوف مخافة ألا يعود يتعرف على نفسه، فالخوف يدخل خريطة جيناته"، وتواصل: "أن تكتب يعني أن تفكر ضد نفسك! أن تجادل، أن تعارض، أن تجازف، أن تعي منذ البداية ألاّ أدبَ خارج المحظور، ولا إبداع خارج الممنوع. الإبداع انتهاك دائم للمألوف، تعدٍّ على ميراث الأجوبة النهائية. إنه حالة عصيان فكري. لذا على من يطمح في إبداع شاهق، يخترق سقف الحرية، أن يكون جاهزاً لكل شيء. بما في ذلك الموت مقابل حفنة من الكلمات". وهذا الكلام ورد في دليل رسمي أصدرته وزارة الثقافة والفنون والتراث مشاركة مع المؤسسة العربية للديمقراطية. وهو مستند رسمي جليّ لا يُحَرم الحرية، ولا ينفي أصحابها، ولا يرمي بأعضاء نادي الحرية في "غيابت الجُب"! وهو مستند رسمي يرفض الرأي الأوحد والقرار الأوحد وأحكام "الإعدام" التي صدرت بحق العديد من أحرار الكلمة والإبداع في العالم العربي. بل إنه يُدين كل المؤسسات -وشخوصها- من الذين خنقوا الحرية، واعتبروا كل كلمة حق حرة "رجساً من عمل الشيطان"، ولا بد لقائلها من أن "تقطع يده وأرجله من خلاف" أو يرسل إلى "المنافي"، كي تستقر لهم الأحوالُ لفرض ديمومة واقع الحال. وقد أعادتني كلمات أحلام مستغانمي إلى أقوال الشاعر العربي الراحل نزار قباني الذي قال في كتابه "الكتابة عمل انقلابي": "الشرط الأساسي في كل كتابة جديدة هو الشرط الانقلابي. وهو شرط لا يمكن التساهل فيه، أو المساومة عليه. وبغير هذا الشرط تغدو الكتابة تأليفاً لما سبق تأليفه، وشرحاً لما انتهى شرحه، ومعرفة لما سبقت معرفته". ويقول: "بالشرط الانقلابي، نعني خروج الكتابة والكاتب على سلطة الماضي بكل أنواعها الأبوية والعائلية والقبلية، وإعلان العصيان على كل الصيغ والأشكال الأدبية التي أخذت -بحكم مرور الزمن- شكل القدر أو شكل الوثن. وبالشرط الانقلابي، نعني إلغاء جميع حلقات الذكر التي كان ينظمها دراويش الكلمة، ومتعهدو حفلات الأدب". ونحن في الدوحة، الأرض التي تتنفس فيها الفضائيات بكل حرية، وينتصب فيها مركز الدوحة لحرية الإعلام، والمؤسسة العربية للديمقراطية، نعتقد أن أول من يمكن أن يتأثر بهذا التحول "النوراني" هم القطريون. أجل فإن الأقربين أوْلى بالمعروف، وعلى أساس المقاربة الجغرافية، والانتماء لكل ما في قطر براً وبحراً وجواً ودماً، فإننا نطمح أن تتسع الصدور! نحن في صراعنا من أجل الحق والخير والجمال، وهي قيم راقية في عالم الأدب وعالم الحرية، لا بد لنا أن نَسقط أو تُسقط راياتنا، وتتعثر أقدامنا، وقد نضل الطريق إلى "مضارب" الحرية، ولا بد لنا من مقارعة سدنة "الظلام"، و"حجاب" الرقص التقليدي، والفكر التقليدي، والرسم التقليدي، والسجن التقليدي. الذين لديهم مشروع ثقافي حر، لا بدّ من وقوفهم على عتبة المنزل، ولا بدّ لهم من وداع أهلهم الوداع الأخير، وتجهيز شنطة "الرحلة" لمناطق أخرى لم يتعودوها! فقد تكون الرحلة غير مُرجّعة التذكرة. وعليهم أن يبعدوا الخوف عن قلوبهم ويعلمُوها نعمة الصبر والمواجهة، وأن يطلقوا عصافيرهم باتجاه الشمس قبل أن تفترسها "قطط الشوارع" أو تتلقفها رصاصات الشر. نحن نفكر، إذن نحن نعيش! وكل الذين لا يفكرون لا يعيشون! ولا ينعمون بنعمة الحياة! مهما أكلوا وشربوا ومهما امتطوا صهوات الطائرات النفاذة، أو تمختروا فوق اليخوت المهيبة! إنهم يعيشون ولا يفكرون، لذا فهم لا يعيشون. ولا يقدّرون معنى الحرية، أو مغزى الحياة التي يعيشونها بإلغاء تفكيرهم. أن تعيش عليك الخروج على قانون المنع والحظر و"حواديث" الجدة الكبيرة، والتمسّح بالتاريخ! أن تعيش عليك أن تأتي بالجديد أو لا تعيش! أن ترسم لوحة لم يسبقك إليها أحد، أن تخترع جملة عذراء لم يجالسها أحد ولم يقدم لها كأس الحياة! أن تؤلف لحناً لا يكون ضمن القوافل. أن تأتي بقصيدة لم تؤخذ إلى بيت الطاعة ولم تتهم بجريمة شرف دون أن يُرد إليها اعتبارُها. هذه هي حرية الإبداع. لقد حاول مهرجان الدوحة للإبداع والحرية أن يُذَكرنا -والذكرى تنفع المؤمنين- بحقوقنا والتزاماتنا الأخلاقية تجاه مجتمعنا الذي ينظر إلينا بعين الاعتبار والتقدير! كما أوضح لنا الصورة التي أصابها بعضُ التشويش على يد بعض "الحواة" الذين وضعوا كتاباً مقدساً مزوراً، ونشروا "نبوءاتهم" الكاذبة، على اعتبار أن مجتمع الخليج مازال بعيداً عن حضارة الحرية أو "مكرمات" الديمقراطية! وأن الشعب العربي يجب أن يؤخذ يومياً إلى حلقات "الكرباج" ويدوسه الثور الذي ينتصر دوماً على "الماتادور". لقد حاول مهرجان الدوحة للإبداع والحرية أن "يدربنا" على يد المبدعين العرب أن نقول كلمة الحق في إبداعاتنا دون خوف، ودون الرجوع إلى "المفتي" أو "البطرك" أو "الكاهن" الذي لا بد من استشارته حتى لا نخرج عن الطابور، وأخذ مباركته كي يختم أعمالنا بالختم المقدس، وبذلك ندخل مدينة الأمان. أما إذا كانت أعمالنا دون ذاك الختم فعلينا انتظار "العنقاء"! لا أدري لماذا تحاول بعض "الفرق" العربية -غير الرياضية طبعاً- إقناعنا مرة بالترهيب، ومرة بالترغيب، بأن نلتزم بالنص الذي تخرص به هؤلاء "الحواة" مهما كان رديئـاً ومهما كان ضيقاً قبل آلاف السنين! تماماً كما تقوم "المرجعيات الأدبية" -في عالمنا العربي- برفض المشاريع الأدبية دون مبرر ودون رسالة، تكون تكريماً للمبدع! بل وقد يترأس هذه "المرجعيات" من لا يقرأ ولا يستوعب القراءة وهو -للأسف- الذي يختم صكوك الإبداع ويحكم عليها بالحياة أو الموت! فشكراً لوزارة الثقافة والفنون والتراث على درسها القيّم والجديد والمفيد، الذي نأمل ألا يكون درساً منتهياً على شاكلة "انتهى الدرس يا غبي"! وشكراً للمؤسسة العربية للديمقراطية على شهادتها للمبدعين بأنهم مقبولون في مدرسة الحرية، لا أن يظلوا طوال حياتهم في "مدرسة المشاغبين"!