شهدت السنوات الماضية تزايداً في إدراك الأطباء لمدى خطورة التوتر، خصوصاً المزمن منه، على الصحة العامة، وعلى احتمالات الإصابة بحزمة متنوعة من الأمراض. والآن، وحسب دراسة نشرت مؤخراً في إحدى الدوريات العلمية المرموقة (Proceedings of the National Academy of Sciences)، بدأ الأطباء يدركون أيضاً أن توتر الشخص، يعتبر عاملاً في احتمالات الإصابة بالأمراض للمحيطين به، خصوصاً الأطفال. فخلال فترة الدراسة التي استغرقت ثلاث سنوات، وشملت 2497 طفلاً في سنوات الدراسة الابتدائية، يتمتعون بصحة جيدة، ويقيمون في جنوب ولاية كاليفورنيا، أُصيب 120 منهم بالأزمة الشعبية، أو الربو. وبتحليل الظروف الصحية والبيئية لهؤلاء الأطفال، مثل مدى تعرضهم للملوثات الناتجة عن عوادم السيارات، وتدخين الأم، ومستوى تعليم الأبوين، ودخل الأسرة، ودرجة التوتر التي يعاني منها الآباء، كانت المفاجأة اكتشاف القائمين على الدراسة أن درجة توتر الآباء، تلعب دوراً أكبر مما كان معتقداً سابقاً في احتمالات إصابة الأبناء بالأزمة الشعبية، مقارنة بأقرانهم الذين يقطنون الحي نفسه، خصوصاً إذا ما كان هؤلاء الأطفال يعيشون في مناطق ترتفع بها مستويات التلوث. والأزمة الشعبية (Asthma)، المشتق اسمها من الشعب الهوائية، هي التهاب مزمن يصيب الرئتين، ويسبب ضيقاً في المجاري التنفسية، يصبح معه التنفس عسيراً، ويشعر المريض بالاختناق خلال النوبة. وإن كان على عكس الانسداد الرئوي المزمن (Chronic Obstructive Pulmonary Disease)، أو التهاب الشعب الهوائية المزمن (Chronic Bronchitis)، يحدث ضيق المجاري التنفسية في الأزمة الشعبية لفترة مؤقتة فقط، نتيجة انقباض العضلات، وتورم الأغشية المخاطية المبطنة للمجاري التنفسية. وتنتشر الأزمة الشعبية بشكل كبير، حيث تصيب 300 مليون شخص حول العالم، وهو رقم يزداد بشكل مطرد في الدول النامية، إلى درجة أن الأزمة الشعبية تصيب حالياً واحداً من كل أربعة أطفال من سكان المدن في تلك الدول. وحتى في الدول الصناعية الغنية، مثل الولايات المتحدة، نجد أن الأزمة الشعبية تصيب 20 مليون أميركي، يلقى أربعة آلاف منهم حتفهم سنوياً، وهو ما يدل على خطورة المرض واحتمالات تهديده لحياة المصاب، إن لم يعالج بشكل سليم. ويعتمد هذا العلاج في أساسه على تجنب العوامل التي تسبب نوبات الأزمة، مثل دخان التبغ، وعوادم السيارات، وممارسة بعض الرياضات مثل الجري أو التزحلق على الجليد، طبعاً بالإضافة إلى الظروف التي تضع المريض تحت قدر كبير من الضغط النفسي والتوتر، وهي عوامل معروف عنها جميعها تسببها في وقوع النوبات. وهذه العلاقة بين الضغط النفسي والتوتر والأزمة الشعبية، ليست مقتصرة على الحالة النفسية للمريض وحده. فكما تشير الدراسة سابقة الذكر، يتأثر مرضى الأزمة الشعبية بالحالة النفسية للمحيطين بهم، حتى وهم مازالوا داخل أرحام أمهاتهم. وهو ما أظهرته أيضاً دراسة صدرت بداية هذا الصيف عن كلية طب جامعة هارفارد بالولايات المتحدة، عندما أشارت إلى وجود علاقة بين توتر الأم أثناء حملها، وبين زيادة احتمالات إصابة المولود الجديد بأمراض الحساسية المختلفة، بما في ذلك الأزمة الشعبية. وأظهر العلماء وجود هذه العلاقة، من خلال فحص دماء الأطفال المولودين لأمهات كن متوترات لسبب أو آخر أثناء حملهن، ليكتشفوا ارتفاع تركيزات بعض المركبات الكيميائية المعروف عنها ارتباطاها بأمراض الحساسية. وبذلك أصبحت أمراض الحساسية، خصوصاً الأزمة الشعبية، تضاف إلى القائمة الطويلة من الأمراض التي ترتبط حالياً بالتوتر المزمن، وهي القائمة التي تشمل اضطرابات الهضم، وقرحة المعدة والإثني عشر، والصداع المزمن، وآلام الظهر المزمنة، والأرق، والقلق، والاكتئاب، وسرعة الغضب، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والشرايين، ودوالي الأوردة، بما في ذلك البواسير الشرجية. وحتى مدى تطور وانتشار فيروس مرض نقص المناعة المكتسب، أو الإيدز، أصبح أيضاً يرتبط بقدر التوتر المزمن الذي يعيش فيه المصابون بالفيروس. وهو ما يعني أن التوتر المزمن، يعتبر عامل خطر شديد الوقع، يؤدي إلى مخاطر صحية جمة، تؤثر على العديد من أجهزة ووظائف الجسم. ولذا تعتبر الوسائل والإجراءات الممكن اتباعها لخفض درجة التوتر المزمن في حياة المرء، أحد أهم سبل الوقاية ضد بعض الأمراض الناتجة عن الحياة العصرية. وهذه الوسائل تتضمن على سبيل المثال: طرق إدارة التوتر (Stress Management)، وسبل الاسترخاء (Relaxation Techniques)، والراحة اليومية الكافية، وممارسة الهوايات التي تساعد على الاسترخاء. ويلعب الغذاء الصحي المتوازن، المحتوي على كميات كافية من الخضراوات والفواكه، بالإضافة إلى مقادير كافية من عنصر المغنيسيوم، دوراً مهماً أيضاً في التحكم في التوتر. وهذه العلاقة بين المغنيسيوم وبين التوتر تعتبر علاقة تبادلية إلى حد كبير، حيث يسبب نقص المغنيسيوم درجة من التوتر المزمن، وفي الوقت نفسه يسبب التوتر نقصاً في مستويات المغنيسيوم في الدم. وجدير بالذكر أن خفض ما يتناوله المرء من المشروبات المحتوية على الكافيين، مثل القهوة، والشاي، والمشروبات الغازية بالتحديد، وممارسة روتين يومي، مع الانتظام في الصلوات، وقراءة القرآن الكريم، وتجنب العزلة الاجتماعية من خلال قضاء وقت كافٍٍ مع الأصدقاء وأفراد العائلة، تعتبر جميعها نصائح فعالة في خفض قدر التوتر في الحياة اليومية. د. أكمل عبدالحكيم