جولة وزير الخزانة الأميركي تيموثي غايتنر، التي شملت بعض البلدان الأوروبية ومنطقة الخليج، وفي وقت لاحق البلدان الآسيوية، تشبه إلى حد ما التاجر الذي تأخرت سفنه واستدان مبلغاً من المال في رائعة "تاجر البندقية" للكاتب الكبير ويليام شكسبير أو "الشيخ زبير"، كما أطلق عليه بعض العرب بعد أن قام بتعريبه. ومع أن الموضوع يختلف في بعض جوانبه، فالولايات المتحدة دولة مدينة من قمة رأسها حتى أخمص قدميها، إذ يتجاوز حجم ديونها 13 تريليون دولار، وهو ما يساوي حجم ناتجها القومي تقريباً. ولذلك، فإن مضامين زيارة وزير الخزانة الأميركية تتعلق أساساً بتوجيه العديد من الرسائل التي يمكن أن تساعد واشنطن على تجاوز أسوأ أزمة تشهدها منذ ستين عاماً من جهة، وتؤدي إلى إعادة الحياة لدورة نشاط الاقتصاد العالمي الذي يشكل الاقتصاد الأميركي ربع حجمه من جهة أخرى. وأولى هذه الرسائل تقول إن الولايات المتحدة ترحب أشد ترحيب بالاستثمارات الأجنبية وتوفر لها عوامل النجاح، كما أن الاقتصاد الأميركي يوفر فرصاً مثالية للاستثمار، وبالأخص بعد تدهور الأسعار الناجم عن الأزمة، أما تمنعها في الماضي ووقوفها ضد بعض الاستثمارات الخارجية، فقد نجم عن سوء فهم الإدارة السابقة التي لم تقيم الأمور بصورة صحيحة. وثانية هذه الرسائل تختص بالتبرؤ من سياسة بوش الابن التي قادت بتطرفها الاقتصاد العالمي إلى ما يشبه الكارثة، فوزير الخزانة يعطي إشارات مفادها أننا في الولايات المتحدة قد تغيرنا، ولم نعد نفرض آراءنا على الآخرين بغض النظر عن صحة هذه الآراء أو عدم صحتها، وما جولتي هذه إلا للتفاهم حول السبل الخاصة بإنقاذ الاقتصاد العالمي، ومن ضمنه الاقتصاد الأميركي. وأما ثالثة هذه الرسائل، فتركز على أهمية الدولار كعملة احتياط عالمية، خصوصاً بعد أن دعت كل من روسيا والصين إلى إيجاد عملة احتياط جديدة، وفي هذا الصدد يؤكد الوزير أن الولايات المتحدة ستدعم عملتها بكل قوة لتبقى على قمة التعاملات المالية والنقدية في العالم. ويبدو أنه حقق بعض النجاح في هذا الجانب، حيث أعلنت بعض الدول الكبيرة، كاليابان، عن قناعتها بأهمية الدولار وبقائه كعملة احتياط أولى في الفترة القادمة. وتتمحور رابعة هذه الرسائل حول ضرورة دعم المؤسسات المالية والنقدية العالمية التي تملك فيها واشنطن تأثيرات كبيرة، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وذلك من أجل ضخ المزيد من الأموال في شرايين الاقتصاد العالمي للخروج من تداعيات الأزمة بالسرعة الممكنة. ويبدو أن الرسائل في معظمها صحيحة، فالولايات المتحدة في عهد أوباما تغيرت بالفعل، وهي تتعامل مع العالم ببراغماتية أكثر انطلاقاً من التغيرات الاقتصادية والجيو - سياسية التي طالت العلاقات الدولية في السنوات الماضية، مما يفتح المجال أمام بلدان العالم لنسج علاقات جديدة مع إدارة أوباما. والحال أن الأمر صحيح أيضاً، ولكن بحذر بالنسبة للفرص الاستثمارية الواعدة في الولايات المتحدة، وهي فرص ربما لا تتكرر كثيراً، إلا أن إعادة ثقة المستثمرين لا يمكن استرجاعها بنفس سرعة فقدان هذه الثقة، فبالأمس القريب تم الربط بصورة خاطئة بين الاستثمارات الأجنبية المحايدة والجيدة للاقتصاد الأميركي وبين الأمن القومي، وتدخل الكونجرس في موضوع لا يعنيه كثيراً، بقدر ما يدخل في صميم صلاحيات الإدارة التنفيذية، مما يعني ضرورة أن تقدم الإدارة الجديدة ضمانات قوية حتى تتمكن من استعادة ثقة المستثمرين الأجانب. أما رسالته حول قوة العملة الخضراء في المستقبل، فيشوبها الكثير من الشكوك بسبب الوهن الذي أصابها والذي جعلها باهتة، كاصفرار وجه رجل مصاب بمرض مزمن لا شفاء منه، كما أن الأزمة المالية أدت إلى تسريع عملية طباعة الدولار التي تقدر بخمسة تريليونات على مستوى العالم، وبالتالي زيادة الضغوط الواقعة على أسعار مبادلاته في أسواق النقد العالمية. وفي كل الأحوال، تعتبر الجولة الأوروبية الخليجية الآسيوية لوزير الخزانة الأميركية إيجابية بشكل عام وتعبر عن توجهات جديدة لإدارة أوباما تتسم بالتعقل والموضوعية ومراعاة المصالح المشتركة لكافة الأطراف، مما يرجح أن يتم التفاعل بصورة إيجابية مع هذه التوجهات الجديدة التي حملها تيموثي غايتنر وزير الخزانة الأميركية للبلدان الفاعلة اقتصادياً في القارات الثلاث. د. محمد العسومي