خرج الاستعداد لانعقاد المؤتمر العام السادس لحركة "فتح" الفلسطينية مطلع الشهر المقبل في بيت لحم من مراحل بحث المكان والزمان وهويّة أعضاء المؤتمر إلى بحث ما سيجري في المؤتمر. وعلى رغم وجود احتجاجات متناثرة حول عدم مشاركة أعضاء معينين في المؤتمر، فإنّ هذه الاحتجاجات لا تبدو قويّة، شأنها شأن الأصوات التي مازالت تثير تحفظات على انعقاد المؤتمر في الداخل "تحت حراب الاحتلال". وعدا ذلك لا يوجد ما يشير إلى عدم الرضا عن قائمة العضوية لـ1550 عضواً أصبحت معروفة ومتداولة وإن لم تعلن رسميّاً للإعلام. والمتجول في متنزهات ومقاهي رام الله مثلاً، سيلمح جلسات متناثرة ضيقة لوجوه معروفة في "فتح" تمارس ما يعرف فلسطينيّاً باسم "الكوْلسة"، أي جلسات التنسيق وصياغة التحالفات، ويبدو بوضوح أنّ خطوة القيادي في الحركة فاروق القدومي تلقى تفاعلاً خارج "فتح" أكثر منها داخلها (خصوصاً داخل فلسطين)، حيث لا يبدو أنّه يتم أخذ "الوثيقة" بجديّة، ومن الواضح افتقار القدومي لدعم تنظيمي ميداني يتبنى طروحاته. وفي الوقت الراهن، تسير تفاعلات كواليس "فتح" التي تتسرب أخبارها في تقارير إخبارية ورسائل إلكترونية وأحاديث متناثرة في اتجاهين رئيسيين. أولهما: التساؤل هل تسمح "حماس" بمشاركة ممثلي قطاع غزة في المؤتمر بعد أن منعت النشاط الجماهيري والسياسي "الفتحاوي" في القطاع ومنعت أعضاء أطر قيادية في الحركة من المغادرة للمشاركة في هذه النشاطات في عمّان والقاهرة والضفة الغربية؟ وتذهب بعض التقييمات إلى أنّ منع المشاركة قد يتم في محاولة من "حماس" الحصول على ثمن ما جراء الموافقة، وأنّه قد يصب في النهاية في مصلحة جناح دون غيره في "فتح" هو الأكثر خصومة مع "حماس"، وتحديداً الجناح "الغزاوي" الموجود حاليّاً في رام الله من قيادات أمنية سابقة، إذ إنّ هناك فرضية أنّ من بقي في غزة من ممثلي "فتح" في المؤتمر هم من تيارات مناهضة لهذا الجناح، وإذا منعت "حماس" مشاركتهم تكون قد خدمت من دأبت على تسميتهم باسم "التيار الانقلابي". ولكن هذا المنع قد يؤدي لسيناريوهات منها تأجيل المؤتمر، أو حفظ نصيب من عضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري للحركة لقطاع غزة يحدد لاحقاً. والاتجاه الثاني الذي يبرز في "الكوْلسات" ينبئ أنّ المؤتمر أشبه بلحظة الحقيقة للجيلين الثاني والثالث (وربما الرابع) في الحركة، حيث قد يتخذون قرارات تغيّر وجه الحركة. وقد تم تمثيل الجيل الثاني، الذي انضم للحركة في نهايات الستينيات وبدايات السبعينيات، من خلال مواقعهم في الأطر العسكرية والمنظمات الشعبية ومواقعهم الفردية الاعتبارية، فيما الأجيال الأصغر جاءت من الداخل من خلال انتخابات مجالس الأقاليم التي تمت وفق آليّات يبدو أنّها تلقى قبولاً عاماً، وقراءة خرائط مواقف هؤلاء وتوجهاتهم قد تنذر بمفاجأة. فإذا كان الحديث حتى أسابيع خَلَت، قد تركّز عن هيمنة ثلاثة إلى أربعة أعضاء في الحركة على قراراتها وتوجهاتها وعلى تشكيل المؤتمر، فإنّ أعضاء المؤتمر العام يبدون الآن خارج إطار هذه الهيمنة، وأصواتهم ومواقفهم في الانتخابات المقبلة لن تخضع لاعتبارات الهيمنة السياسية والإدارية والبيروقراطية التي سادت في السنوات الأخيرة، وذلك لأسباب مختلفة من ضمنها كثرة الطامحين منهم للمواقع القيادية الذين قد ينقلبون على توازنات القوة التي سادت في هذه السنوات. وكذلك هناك الذين يجدون في المؤتمر فرصة لفرض نهج يؤمنون به بطرح برامج ومبادئ عمل سياسية وميدانية مختلفة عما ساد في السنوات الأخيرة التي تمت قيادتها من قبل أشخاص محددين برزوا بسبب مواقعهم في الأجهزة الأمنية أو اللجان التفاوضية وبسبب تعيينات جاءت من قمة الهرم السياسي الفلسطيني (أثناء حياة الرئيس ياسر عرفات وبعده)، وبالتالي قد يحاول أعضاء المؤتمر فرض مناهج عمل وخريطة قيادة جديدة. وبطبيعة الحال، قد تؤدي المحصلة النهائية للمناورات و"الكولسات" والتحالفات إلى تقليص حجم قدرة المؤتمر على التغيير في الحركة، كما أنّ تأجيل وإفشال المؤتمر، كلّها خيارات وسيناريوهات محتلمة لأسباب مختلفة على رغم ما يبدو من إصرار كبير على عقده. أحمد جميل عزم aj.azem@gmail.com