مرة أخرى انعقدت قمة مجموعة دول الثماني بمدينة "لاكويلا" الإيطالية دون الخروج بنتائج ملموسة، أو حلول ناجعة للمشكلات العالمية ما عدا إصدار بيانات ختامية تركز على هذه القضية أو تلك في ظل انعدام تام لآليات المتابعة والتنفيذ! والمفارقة أنه منذ مدة طويلة والانتقادات التي يوجهها المراقبون إلى قمة الدول الثماني الكبرى تحمل في طياتها بعض التناقض؛ فمن جهة تثار الشكوك حول القمة باعتبارها ناديا مغلقا يضم الدول الكبرى التي تسعى إلى تحويل اجتماعاتها الدورية إلى فرصة لفرض أجندتها الاقتصادية على باقي العالم وتوجيه السياسات الدولية في الاتجاه الذي ترغبه مع ما يرافق ذلك من تهميش لباقي الدول وإهمال لمصالحها الاقتصادية لصالح الكيانات الكبرى، وهنا يبرز التناقض إذ كيف تُتهم مجموعة دول الثماني الكبرى بالنزوع إلى الهيمنة في الوقت الذي تنتقد فيه أيضاً لعجزها وقلة حيلتها عندما يتعلق الأمر بحل المشكلات العالمية والتوافق على سياسة اقتصادية موحدة، بحيث تبقى قراراتها مجرد حبر على ورق تفتقد للفاعلية والقدرة على إحداث التغيير المطلوب؟! فبعيداً عن شبح التوجيه والتدخل الذي تخشى دول العالم أن تصبحه مجموعة دول الثماني، فإن ما يضعف المجموعة على نحو أكبر ويحولها إلى مجرد فرصة لاجتماع قادة الدول، هو حالة الفوضى العالمية الناتجة عن التضارب في المصالح والرؤى وصعوبة التوصل إلى توافق حول قضايا أساسية تشغل الرأي العام العالمي، أو تحديد قواعد دولية ترسي أسساً حقيقية لمفهوم المجتمع الدولي. ومجموعة الدول الثماني تعود في لحظتها التأسيسية إلى أواسط عقد السبعينيات من القرن المنصرم، إذ تكونت بمبادرة من الرئيس الفرنسي "جيسكار ديستان" الذي أراد خلق ملتقى غير رسمي يجتمع في إطاره قادة الدول الرئيسية في العالم، وذلك تحسباً لاندلاع أزمات اقتصادية كما كان يحدث في السابق، ولتفادي الفوضى التي ضربت العالم في ثلاثينيات القرن الماضي عندما اندلع الكساد العالمي الكبير، بحيث يبدو أن الهدف هو التقريب بين الدول وفتح المجال للتنسيق فيما بينها، وإذا اقتضى الأمر دراسة الإجراءات الموحدة التي يمكن اتخاذها في حال ظهور الأزمات الاقتصادية المستعصية. لكن التجمع سرعان ما تحول من نادٍ غير رسمي يستقبل قادة الدول الكبرى في مكان هادئ ومنعزل وبعيد عن أعين الإعلام المتطفلة، إلى قمم تعقد بشكل منتظم وإلى مؤسسة قائمة بذاتها تحاط بكثير من التغطية الإعلامية والاهتمام السياسي حيث تتم التهيئة لها قبل موعدها المحدد بفترة طويلة، وينخرط في التحضير لجلساتها مئات الموظفين ومعهم أعداد كبيرة من الصحفيين الباحثين عن الأخبار، بالإضافة إلى المحتجين المنددين بمجموعة الدول الثماني الكبرى باعتبارها رمزاً لليبرالية المتوحشة ونموذجاً للاختلالات الاقتصادية الكبرى التي يشهدها العالم. لكن مع ذلك، ورغم هذا التطور الذي ميز القمة منذ نشأتها الأولى كنادٍ صغير وإلى أن أصبحت قمة سنوية، ظلت مخرجاتها دون المستوى المطلوب ولم تتجاوز اللغة الخطابية التي تعبر عنها البيانات الختامية. ففي عام 2006 وفي عز الحرب الإسرائيلية على لبنان واشتعال الشرق الأوسط، انعقدت قمة الدول الثماني دون أن يكون لها أي تأثير في الأحداث الدائرة ودون أن تسعى إلى وقف الدمار وإراقة الدماء. وفيما يتعلق بالوعود التي كثيراً ما يطلقها قادة الدول بشأن دعم جهود التنمية في الدول النامية ومساعدتها على الإقلاع الاقتصادي والخروج من حالة الفقر التي تعرفها، فإن معظمها لم يرَ النور بل وتبخرت التزامات الدول الكبرى لتتحول إلى مجرد وعود جوفاء منفصلة عن الحقيقة ولا تمت للواقع بصلة. وبالرجوع إلى التطور التاريخي لمجموعة دول الثماني الكبرى، نجد أنها مرت بمراحل ومنعطفات أساسية لعل أهمها مقاومة الرئيس الفرنسي "فرانسوا ميتران" لرغبة نظيره الأميركي "رونالد ريجان" في تحويل القمة إلى مؤسسة دولية تديرها أميركا، لأن من شأن ذلك أن يضعها في مواجهة مع الأمم المتحدة. كما شهد العام 1998 انضمام روسيا إلى المجموعة التي كانت إلى حدود تلك المرحلة تعرف بمجموعة الدول السبع، ومع أن الوضع الاقتصادي في موسكو كان متردياً للغاية، إلا أن عضويتها في مجلس الأمن الدولي ورغبة الدول الكبرى في احتواء ما قد تثيره من مشاكل، دفعهم إلى الموافقة على ضمها ومنحها مقعداً ضمن المجموعة. لكن كيف يمكن تفسير بقاء الصين بعيدة عن دول الثماني وهي العضو في مجلس الأمن والقوة الاقتصادية الأولى الصاعدة في العالم، لاسيما وأن التعددية القطبية التي تميز الوضع الدولي بدأت تشجع البعض على المطالبة بتوسيع مجموعة الثماني لتضم الاقتصادات الناشئة؟ وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن الرئيس الفرنسي "جاك شيراك" كان سباقاً للدعوة في قمة العام 2003 إلى فتح المجموعة أمام قادمين جدد في الوقت الذي كانت فيه العلاقات الفرنسية الأميركية تشهد بعض التوتر على خلفية الموقف الفرنسي المعارض لحرب العراق، وهي المطالب ذاتها التي يكررها اليوم الرئيس نيكولا ساركوزي رغم مواقفه المتقاربة مع واشنطن، ليبقى الرئيس البرازيلي "لولا داسيلفا" أول من اقترح رسمياً تحويل مجموعة دول الثماني إلى مجموعة الـ14 بعد انضمام الصين والهند والبرازيل والمكسيك وجنوب أفريقيا ومصر.