عندما دنست قدما أرييل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرض المسجد الأقصى في عام 2000 اندلعت انتفاضة الأقصى التي استمرت ثلاث سنوات تقريباً وبلغ عدد شهدائها أكثر من ألفي شهيد... فهل يتوقع أحد أقل من هذا العدد إذا تكررت الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية؟ عندما يتكلم الإنسان العربي عن فلسطين فإنه يتكلم عن القدس، وعندما يتكلم عن القدس فإنه يعني المسجد الأقصى وكنيسة القيامة. والإسرائيليون يعرفون أن أسرع طريقة لتصفية القضية الفلسطينية والانتهاء من حالة العداء تجاه العرب والمسلمين هي إنهاء الجدال حول القدس وبالتالي فهم يعملون على تهويدها. وتأكيداً على وجود مخطط لذلك، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي بنيامين نتانياهو، قبل أن يفوز في الانتخابات الأخيرة، تلقى توصية من أحد الحاخامات بتعميق السيطرة على القدس وتوسيع مظاهر تهويدها. ومن يتابع الوضع في القدس خلال الأشهر القليلة الماضية يكتشف مدى التزام نتانياهو بهذه الوصية. وما تجاهله للمطالب الأميركية المستمرة بإيقاف الاستيطان في القدس والمدن التي من حولها إلا دليل على أن هناك هدفا واضحا للحكومة الإسرائيلية لا يوقفه حتى الضغط الأميركي. الدور اليوم على العرب وعلى الحكومات العربية بالتحديد لحماية مدينة القدس... فجامعة الدول العربية "كعادتها" أعربت عن القلق الشديد تجاه ما تقوم به سلطات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة القدس والمسجد الأقصى. لكن يبدو أن "جامعتنا" لا تستطيع أكثر من ذلك. وإذا أقررنا بالانتهاكات التي تتعرض لها المدينة وسكانها العرب، وبضعف الجامعة، فلا بد أن تتحرك الحكومات العربية وتقوم بدورها تجاه مدينة مقدسة يختطفها الإسرائيليون أمام مرأى ومسمع العالم. فقد صار من الواضح أنه إذا بقي الوضع على ما هو عليه اليوم فما هي إلا أشهر أو سنوات قليلة وتتحول هذه المدينة إلى مدينة يهودية بالكامل. ما يدعو إلى ضرورة التحرك العربي السريع تجاه ما يحدث في القدس ليس فقط حساسية هذه المدينة ومكانتها الدينية والعقائدية لدى المسلمين، وإنما الخوف من أن تأخذ قضية القدس أبعاداً أخرى، إذ لا أحد يضمن أن لا تصبح قضية لمن لا قضية له. وإذا ما تم تهويدها فعلياً فهذا يعني أن التدخلات الخارجية في القضية الفلسطينية تحت شعار "تحرير القدس" ستكون بلا عدد. وإذا لم يكن للحكومات العربية موقف واضح وقوي للدفاع عن مدينة القدس، فلا نستبعد ظهور جماعات و"عصابات" تسمي نفسها إسلامية، ترفع راية "الجهاد" مستغلة الوضع لفتح جبهات جديدة للحرب، فتخلط كل الأوراق، ليس في المنطقة فقط بل وخارجها أيضاً! إن مسألة الاستيطان وتهويد القدس "قنبلة موقوتة" يجب أن تدفع الحكومات العربية إلى استباق أي خطر ولمنع أي جنون إسرائيلي بحق المدينة وأهلها. فالقدس كانت منذ الأزل مدينة عربية، وعندما دخلها عمر بن الخطاب في العام 637 ميلادية صارت إسلامية، وإن اختلف البعض على إسلامية المدينة فلا أحد يشكك في عروبتها. من المهم أن يتم إنجاز خطوة عملية في هذا الأمر، خصوصاً وأن هناك جدية واضحة من قبل إدارة أوباما في مسألة وقف الاستيطان... فوجود خطوات عملية مهم جداً... فالعرب والفلسطينيون لم ينسوا ما فعله رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت في ملف الاستيطان، فقد كان ملتزماً أمام الأميركيين بوقف الاستيطان، لكنه على الأرض بنى عشرة آلاف وحدة استيطانية. الموقف الأميركي اليوم في عهد الرئيس أوباما قد يكون مختلفاً إزاء مدينة القدس والاستيطان، لكن إلى اليوم ليست هناك نتائج على أرض الواقع لهذا الموقف الجديد، فرغم المطالبات الأميركية المتكررة بإيقاف الاستيطان، فإنه لا أُذنَ صاغيةً في إسرائيل بل تستمر الأخيرة بزيادة عدد مستوطناتها في القدس وما حولها. بعد خطاب أوباما التاريخي إلى المسلمين من جامعة القاهرة، صرح نتانياهو للإذاعة الإيطالية أنه أجاب بـ "لا" على طلب أوباما. واستمرت مطالبة أوباما وإدارته لإسرائيل بوقف النشاط الاستيطاني، لكن الرد الإسرائيلي كان يتجاهل هذه المطالب أو يرفضها علناً... والسؤال هنا هو: هل يمكن فرض موقف أميركي بشأن تجميد الاستيطان؟ وهل يمكن أن تستخدم الولايات المتحدة العقوبات المالية والسياسية والدبلوماسية إذا رفضت حكومة نتانياهو الامتثال؟ بينما يعيش العرب الموقف الأميركي الجديد في عهد أوباما تجاه القضية الفلسطينية، يجب أن لا ينسوا موقف الإدارات الأميركية السابقة والتي أسهمت عملياً في تقرير مستقبل المدينة المقدسة، وهذا قد يساعد العرب في عدم الاعتماد المطلق على الإدارة الأميركية أو غيرها في وضع حل لهذه المشكلة. ورغم ظهور مواقف الإدارات الأميركية أحياناً بالحياد في فترات سابقة، وأنها ضد الإجراءات الإسرائيلية في قضية القدس، فإنها عملياً عززت الإجراءات الإسرائيلية العملية في تهويد المدينة، كما عملت الولايات المتحدة في كثير من الأحيان على تعطيل إصدار قرارات أممية لصالح قضية القدس من خلال استخدامها حق النقض... وفي النهاية قامت بتحييد تام لدور الأمم المتحدة في تقرير مستقبل مدينة القدس... كما أن الولايات المتحدة أسهمت في تأجيل التفاوض حول مدينة القدس حتى المفاوضات النهائية والمؤجلة. وبشكل عام، ورغم تباين مواقف الإدارات الأميركية المختلفة، فإنها جميعاً صبت في مصلحة السياسة الإسرائيلية. كل ما سبق كان شيئاً من التاريخ ولا يعني أنه لا أمل لدى العرب في الإدارة الأميركية الجديدة وفي قدرتها على تغيير الوضع، لكن تلك المعطيات تعني بالضرورة أهمية اعتماد العرب على أنفسهم في حل قضيتهم وفي الضغط على الإدارة الأميركية من أجل المحافظة على وضع مدينة القدس العربية. هناك "نية عربية" وتوجه عربي إلى السلام مع إسرائيل، وكانت مقالة ولي العهد البحريني الشيخ سلمان بن حمد منذ أيام في صحيفة "واشنطن بوست" واضحة للتقارب مع إسرائيل، لكن السؤال الذي يجب أن تجيب عليه أميركا والغرب هو: هل إسرائيل مستعدة للسلام بقدر ما العرب مستعدين؟ وهل هي جاهزة لتقديم التنازلات- أو بالأحرى إعادة الحقوق إلى أصحابها- كما أن العرب مستعدون لقبولها كجزء من المنطقة؟ هذا السؤال يجب أن تجيب عليه إسرائيل والغرب الذي يتهم العرب بعدم الرغبة في السلام مع إسرائيل مع أن إسرائيل هي من يماطل منذ أوسلو وإلى اليوم. وهي تفكر في الإجابة يجب أن لا تنسى المبادرة العربية للسلام والمقدمة منذ عام 2002 والتي تعتبر أكبر عرض تاريخي وأكبر تنازل من العرب لتحقيق السلام، وقبل كل ذلك معاهدة أوسلو عام 1993، والتي جاءت بعد مفاوضات سرية طويلة بدأت عقب مؤتمر مدريد عام 1991. ومن يريد أن يكون عادلا عليه أن لا ينسى أنه منذ مؤتمر مدريد حتى الآن تضاعف عدد المستوطنين في الضفة الغربية مرتين ليصل نحو 300 ألف مستوطن، إضافة إلى ربع مليون في القدس المحتلة عام1967. وأخيراً على العالم أن لا يتجاهل الانتهاكات الدينية والاستفزازات الخطيرة، والممارسات العنصرية التي تقترفها إسرائيل ضاربة بحقوق العرب وبالقانون الدولي عرض الحائط، الأمر الذي يستدعي تدخل الأمم المتحدة والمجتمع الدولي وكل المؤسسات المدافعة عن الحريات والحقوق الدينية والمدنية لإيقاف ما يجري... لكن هذا لا يعفي أصحاب القضية، وهم العرب، من العمل لأجل حماية القدس وأهلها.