من يتابع المشهد العربي يلاحظ انتشار حالة من الكراهية والاحتقان، اللفظي، في مشاعر المواطنين العرب ضد بعضهم بعضاً، وهذه الحالة لم تعد سراً أو أمراً خافياً على أحد بل يمكنك أن تسميها لغة مشتركة بين الكل، مع استثناءات فردية. مؤخراً عاشت الشعوب العربية أزمات سياسية على مستوى قياداتها، أدت في بعضها إلى تفاعل عاطفي سلبي بين شعوب تلك الدول. وقد تحول هذا الشعور، في بعضه، إلى رغبة في إحداث إيذاء بالآخر، سواء عن طريق اجترار بعض السلبيات والسب والشتم، بل في أحيان كثيرة تجاوز الأمر "الخطوط الحمر" وطال ما كان يُعدُّ من المحرمات. ولم تعد الحلول التقليدية تنفع في احتواء تلك المشاحنات، حيث كانت هذه الأزمات سريعاً ما تنتهي بقيام رئيس إحدى الدولتين بزيارة الدولة الأخرى وبالتالي تعود العلاقات الرسمية، ولكن يبقى مستوى العلاقات الشعبية موضع شك. لمن يرغب التأكد مما أقوله في شأن انتشار المشاعر السلبية للعربي تجاه "شقيقه" العربي وقياس مكانة العربي عند العربي، ما عليه سوى أن يقوم بإحدى الطرق التالية، فإما أن يدخل أحد المنتديات ومواقع الإنترنت، بل وصل الأمر إلى الصحف، لمتابعة أي تفاعل عربي وسيجد ما تختزنه الذاكرة العربية تجاه "الشقيق" من الألفاظ والشتائم، أو عليه أن يزور حديقة "هايد بارك" في العاصمة البريطانية لندن يوم الأحد ليرى كيف يتكلم عربي عن شعب عربي آخر، وبعدها عليه أن يؤكد ما إذا كانت كلمة "الشقيق" ذات معنى حقيقي! والأسهل من ذلك، ما عليك سوى أن تذكر جنسية عربية أمام مواطن عربي آخر لدولة لا ينتمي إليها السائل، وبعدها ربما تسمع من الألفاظ ما لا تحب سماعه مما يقع تحت طائلة عقوبات السب والقذف، إلى درجة تتأكد معها أن الأمر ليس وليد اللحظة بل هو أمر متجذر وعميق منذ زمن ليس بالقليل. وهذا الموقف المحتقن لا يحتاج إلى خلاف سياسي أو احتلال دولة لدولة أخرى، حيث تكفي مباراة واحدة في كرة القدم لجعل شعب بأكمله عرضة للسب والشتم بكل ما يحمله القاموس العربي، وهو زاخر، بل أحياناً يمتد الأمر ليشمل الإقليم العربي الذي ينتمي إليه الفريق، فلم تعد مباريات كرة القدم -كما كانت- تصلح ما تفسده السياسة، بل صارت هي "أم المشاكل" بعد أن دخلت السياسة فيها. وقد أجريت مسحاً سريعاً لما تشهده الساحة العربية حالياً، ووجدت أنه كلما كان القرب الجغرافي أكثر، زادت الحساسية والاحتقان. وهذا معناه أننا نخدع أنفسنا بأن ما يربطنا أكبر من أن تعكره الخلافات؛ ولذا فنحن بحاجة إلى وقفة حقيقية مع أنفسنا كي نبحث في أسباب هذه الظاهرة، وبالتالي نتمكن من التعامل مع بعضنا البعض بشكل حقيقي. في تقديري أن هناك نقطتين لابد أن نضعهما في الاعتبار ونحن نتعامل مع بعضنا كعرب: النقطة الأولى؛ الابتعاد عن المثاليات في علاقاتنا، واعتبار كلمة "الشعب الشقيق"، التي كثيراً ما نسمعها، كلمة في غير محلها وغير دقيقة، وعلينا أن نتجاوز وصف كلمة "العلاقات العربية" بأنها "علاقات أخوية" حتى نستطيع التعامل بشيء من الواقعية السياسية الحقيقية التي تقوم على تبادل المصالح. بل إني أكاد أجزم بأن الشعوب العربية تنتظر أي سبب كي يشمت بعضها بالبعض الآخر. أما النقطة الثانية فينبغي علينا دراسة أسباب هذه المشاعر السلبية التي تصل في أحيان كثيرة إلى مستوى "أزمة" سياسية واقتصادية واجتماعية تتلخص في كيل الشتائم على الهواء وعلى المنابر وفي الصحافة الرسمية. باتت المشاحنات والشتائم بين الشعوب العربية هي الحقيقة المبطنة لما يشعر به كل شعب تجاه الآخر، وأصبح هذا من "روتينيات" العلاقات العربية المعتادة. ويبقى الغريب في هذا الأمر أن المسؤولين العرب يحاولون إنكار ذلك، ويعملون على عقد اجتماعات صورية لستر حقيقة ما تشعر به النفوس تجاه بعضها بعضا، رسمياً وشعبياً.