يبدو أن إدارة أوباما تخطو سريعاً نحو ما وصفه الرئيس بأنه سوف يكون أشمل تقويم لنظام الهجرة الأميركي المنهار. والواضح في سلوك الإدارة أنها تريد إظهار عزمها على تطبيق قوانين الهجرة القائمة حالياً قبل البدء في مراجعتها. وكانت قد ظهرت أولى بوادر استراتيجية الرئيس الجديدة في وقت مبكر من الشهر الحالي، عندما صرح مسؤولون من وزارة الأمن الوطني بأنهم بصدد إلغاء مبادرة لإدارة بوش -لا تزال عالقة بين جدران المحاكم-كانت ترمي إلى استخدام بيانات الضمان الاجتماعي للمواطنين لتسريح ملايين الموظفين والعاملين غير المصرح لهم بالعمل في أميركا. وبدلا من ذلك الإجراء تعتزم وزارة الأمن الوطني أن تطلب من المقاولين الفيدراليين استخدام قاعدة بيانات حكومية منفصلة، يمكن لهم بها التحقق من حصول العاملين والموظفين على تصريح بالعمل في البلاد. وفي الوقت نفسه، صرحت "جانيت نابوليتانو" وزيرة الأمن الوطني قائلة إن وزارتها ستحد من سلطات الشرطة المحلية التي كانت قد خولت فيدرالياً بسلطات ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. غير أن الجماعات المدافعة عن حقوق المهاجرين شنت هجوماً حاداً على مثل هذه التصريحات في إطار مواجهتها لنوايا تطبيق قانون الهجرة الحالي، قبل البدء بإدخال إصلاحات جوهرية عليه، مع العلم أن هذه الإصلاحات سوف تمنح ملايين المهاجرين غير الشرعيين حقوق تصحيح أوضاعهم، إلى جانب توسيعها لتأشيرات الدخول الخاصة بالعمال المهاجرين في المستقبل. هذا ويرغب الكثير من أعضاء الكونجرس "الجمهوريين" في تطبيق إجراءات صارمة تستهدف تنفيذ القانون الحالي، بينما يتشددون في معارضتهم لأي استراتيجية يشتم منها أنها تهدف لإصدار عفو عام عن المهاجرين غير الشرعيين. ويبدو أن هؤلاء قد استعدوا لخوض معركة حامية داخل الكونجرس حول هذا الأمر، في وقت مبكر من خريف العام الحالي. وعلى رغم محدودية وبساطة الإجراءات التي تقترحها إدارة أوباما الحالية، فإنها ووجهت بالانتقادات من كلا الطرفين "الديمقراطي" و"الجمهوري"، والملاحظ أن واقعية هذه الإجراءات تهيئ المسرح السياسي والتشريعي في البلاد لمعارك حامية متوقعة. ولنتخذ من نظام التحقق من شرعية العاملين والموظفين -وهو ما تعتزم إدارة أوباما مطالبة المقاولين الفيدراليين بالعمل به- مثالا لهذه الإجراءات المثيرة للخلاف. فالملاحظ أن مجموعات الاستثمار والجماعات الناشطة في مجال الحريات المدنية لا تؤيد هذا الإجراء اعتقاداً منها أن عدم دقة قاعدة البيانات الإلكترونية التي يقوم عليها إجراء التحقق المطلوب، يجعل منها قاعدة بيانات مثيرة للشكوك ويصعب التعويل عليها لعدم عدالتها. ولكن الصحيح أن نظام التحقق الإلكتروني المذكور المعروف بـE- Verify يتسم بدقة فائقة. ووفقاً لشهادة مدقق خارجي كلفته وزارة الأمن الوطني بالتحقق من مدى دقة قاعدة البيانات الإلكترونية التي يعتمد عليها نظام التحقق الذي تعتزم تطبيقه على العاملين، ذكر المحقق أن من بين جملة 1.8 مليون موظف وعامل تمت مراجعة قواعد بياناتهم خلال الفترة الممتدة بين شهر أكتوبر وديسمبر من العام الماضي، لم يتم التحفظ إلا على البيانات الخاصة بما يقل عن نسبة 0.5 فحسب من الذين روجعت قواعد بياناتهم. أما في ولاية أريزونا حيث اعترضت مجموعات الاستثمار ابتداء على اتجاه الحكومة الفيدرالية الرامي إلى التحقق من أوضاع العمال والموظفين الجدد، بحجة الشكوك المثارة حول دقته، فها هي غرفة تجارة الولاية تعترف الآن بسلاسة وفاعلية التطبيق العملي للتشريعات والإجراءات الجديدة الخاصة بنظام التحقق الإلكتروني. وأكد مسؤولون في الولاية أنه ليس ثمة خطأ ما في مطالبة الحكومة الفيدرالية للشركات بالتحقق من أوضاع عمالها وموظفيها، والتأكد من أنه يسمح لهم بالعمل في الولايات المتحدة الأميركية. ثم هناك البرنامج الفيدرالي الذي يمنح سلطات الشرطة المحلية في الولايات سلطات تخول لهم المساعدة في ترحيل المهاجرين غير الشرعيين. هنا يصح رأي المدافعين عن حقوق الهجرة القائل إن هذا التفويض من شأنه تشجيع التصنيف العرقي للمهاجرين والتمييز بينهم على ذلك الأساس، إلى جانب تأثيره السلبي على الثقة الواجب توفرها بين مجموعات المهاجرين والشرطة والوزارات المعنية بالأمن القومي. ولكن الحقيقة أن الإجراءات التي بدأتها وزارة الأمن الوطني الأسبوع الماضي، كان الهدف منها هو الحد من إساءة تطبيق القانون، وذلك بإرغام الشرطة على ملاحقة كافة الجرائم الجنائية التي استدعت توقيف المتهمين بارتكابها منذ البداية. كما اتضح أن القصد من الإجراءات المذكورة هو لجم سلطات الشرطة ومنعها من تكبيل أيادي الأفراد الذين لا يشتبه فيهم أكثر من مجرد نقص أوراقهم الثبوتية. وربما يكون مغرياً ومعقولا للبعض التساؤل عن دواعي الإصرار على مناقشة مشكلة الهجرة في ظل الكساد الاقتصادي الحالي الذي تعانيه البلاد؟ فما مبرر القلق على تقنين أوضاع المهاجرين في وقت تتصاعد فيه معدلات البطالة بأرقام مخيفة ويفقد فيه العاملون -شرعيون أم غير شرعيين- وظائفهم بالملايين، دعك عن القلق على أمن الحدود وتدفق المزيد من المهاجرين غير الشرعيين إلى البلاد؟ لماذا لا نخف من شدة الإجراءات التي تعتزمها الإدارة الجديدة ونطبق القانون الحالي بقدر معقول يتناسب والظروف الاقتصادية للبلاد، ثم نترك بقية الأمور الأخرى للوقت المناسب لها في المستقبل؟ وفي الإجابة عن هذين السؤالين، يجب القول إن للمتسائلين الحق والمشروعية في إثارة هذا النوع من الأسئلة. بل يجب القول إن مساعي الإدارة الجديدة لتطبيق القانون الحالي هي انحراف عن مسار الحل الصحيح. وما يدعونا إلى هذا القول هو إن محاولات تطبيق القانون نفسها ليست سوى طرف من أطراف المشكلة وليست حلا لها بأية حال. فليس من حل سحري يقدمه تطبيق القانون لمشكلة ما يزيد على 12 مليون مهاجر غير شرعي الآن، كما لا يوفر إطاراً واقعياً للتعامل مع المهاجرين في المستقبل، إضافة إلى عجزه عن تسوية الحوار القومي العام المسموم الدائر عن الهجرة في بلادنا. فالمطلوب هو حل شامل وليس جزئياً للمشكلة. لي هوكستادر محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"