تعدّ ظاهرة العنف الأسري من التحديات التي تواجه النسيج المجتمعي لأي دولة، فالنتائج المترتبة عليها قد تكون من الضخامة بحيث تشكّل تهديداً لأمن المجتمع واستقراره، فهذه الظاهرة وما يترتب عليها من سلوك عدواني، وتفكّك في الروابط الأسرية، وانعدام الشعور بالأمان، تعني أنها تمسّ بشكل مباشر أمن المجتمع، وتتضاعف خطورتها إذا لم تواجَه بالحزم والجدية الكافيين. من هذا المنطلق يشكّل القرار الذي أصدره، مؤخراً، سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير شؤون الرئاسة، رئيس دائرة القضاء في إمارة أبوظبي، بإنشاء مركز لمساعدة ضحايا العنف الأسري، تطوراً إيجابياً مهماً نحو التعاطي مع هذه الظاهرة. قرار إنشاء هذا المركز، وإن كان يعكس في جانب منه الرؤية الاستراتيجيّة لدائرة القضاء في أبوظبي، التي تؤكد أن إحقاق العدل وتطبيق القانون لا يتمّان في ساحات القضاء وقاعات المحاكم فقط، بل بالتصدّي لكل الظواهر الاجتماعية التي قد تكون مصدراً للعنف والجريمة، فإنه لا ينفصل أيضاً عن الجهود التي تقوم بها الدولة للارتقاء بأوضاع حقوق الإنسان على المستويات كافة، والفلسفة التي تنطلق منها في هذا المجال، التي تشير إلى أنّ هناك دائماً مجالا لمزيد من التعزيز لحقوق الإنسان وتكريسها ضمن عملية مستمرّة ومتحركة إلى الأمام على الدوام. أهمية هذا المركز لا تكمن في اعتبار أنه يعدّ الأول من نوعه على مستوى الدولة، لكن أيضاً لأنه يشكل إضافة نوعية إلى الجهود التي تبذلها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة الاتحاد النسائي العام، لتوفير الرعاية للنساء والأطفال، وتأمين الحماية لهم من أشكال العنف كافة، بما في ذلك العنف الواقع عليهم داخل الأسرة، فالمركز الجديد سيوفّر إطاراً وقائياً وعلاجياً لمشكلة العنف الأسري، وفي الوقت نفسه سيشكل رادعاً فعّالا لمرتكبيه، فهو سيضمن الحماية والملاذ الآمن للأطفال والنساء الذين يتعرّضون لأشكال خطرة من العنف تتهدد معها حياتهم، أو سلامتهم البدنية والنفسية. قائمة الأهداف التي سيسعى المركز إلى تحقيقها تشير إلى أنه يتبنّى منظوراً شاملا في مساعدة ضحايا العنف الأسري، فإضافة إلى الرعاية الصحية والنفسية، فإنه سيهتم أيضاً بتقديم الدعم القانوني لضمان حقوقهم في مواجهة من ارتكبوا العنف إزاءهم. كما سيشمل عمل المركز القيام بحملات توعية وإرشاد لتعريف النساء والأطفال بحقوقهم، وكيفية الدفاع عنها، ومواجهة من يحاول انتهاكها والمساس بها، كما سيوفّر المجال أمام ضحايا العنف لتبادل التجارب والخبرات بما يساعد ضحايا العنف الأسري على الاستفادة من هذه التجارب والخبرات لبناء روح المبادرة في مواجهة الظاهرة، ومن يتسبب فيها. وهذه الأهداف فوق أنها ستحمي ضحايا العنف الأسري، فإنها أيضاً سترسّخ العدالة، وتحقق الطمأنينة للفرد والأسرة والمجتمع، كما ستسهم في إعادة بناء العلاقات الأسرية على أسس سليمة. المشكلة التي قد تواجه هذا المركز الجديد هي غياب البيانات الدقيقة عن ضحايا العنف الأسري، حيث تؤكّد المؤشرات الإحصائية أن العدد الحقيقي لحالات العنف الأسري، وما يرتبط به من قضايا، غير معروف، وذلك بسبب مواقف الأسر، وتكتّمها على هذه الحالات. وتكمن صعوبة ذلك في تحديد حجم الظاهرة وحدود انتشارها. وإذا كان قرار إنشاء المركز فتح الباب أمام الاستفادة من المعلومات والبيانات المتوافرة لدى بعض المؤسسات التي يتصل عملها بالرعاية الاجتماعية والأسرية، فإن هناك ضرورة أيضاً لإجراء المزيد من الدراسات الاستقصائيّة حول حجم مشكلة العنف الأسري، وتوفير البيانات الإحصائية الدقيقة حولها، حتى يمكن التصدّي لها بالشكل المنشود. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.