عادت إندونيسيا إلى العنف الدامي بالتفجير الإرهابي الذي استهدف يوم 17 يوليو الجاري فندقين كبيرين في جاكرتا. وقد اتهمت "الجماعة الإسلامية" ذات الميول السلفية المتطرفة بالمسؤولية عن الحادثين المتزامنين. وطرح السؤال مجدداً: هل ثمة علاقة ترابطية بين الفكر السلفي والعنف؟ أي بعبارة أخرى، هل للعنف الديني المدمر الذي عرفته الساحة الإسلامية في العقدين الأخيرين علاقة بما يوسم به الفكر السلفي من تحجر وتزمت ورفض للآخر؟ قدمت مؤخراً أطروحتان متمايزتان للرد على هذا الإشكال: ذهبت أولاهما إلى الجواب بالإيجاب، استناداً إلى نمطين من الأدلة: -الدليل التاريخي الذي يبين أن المجموعات السلفية، كانت دوماً أكثر قابلية من غيرها من الاتجاهات العقدية للاستنفار والتعبئة القتالية. ومن العلامات الأخيرة على هذا الحكم أن الحركات الإسلامية التي تأثرت بالسلفية منذ نهاية السبعينيات، هي التي انتهجت العنف والتقتيل بشكل مباشر وواضح. - الدليل النظري الذي يبين أن السلفية التي ظلت دوماً اتجاهاً معزولا داخل التقليد السُني الواسع تتميز بنهجها التكفيري ونزوعها الطهوري الذي يفضي بسهولة إلى الانفصال عن المجتمع والقطيعة معه ورفع السلاح عليه. أما الأطروحة الأخرى، فذهبت إلى أن العنف ليس ملازماً لا تاريخياً ولا فكرياً للمجموعات السلفية، وإن كان مرضاً عانت منه في مراحل عديدة من تاريخها. فحسب هذا القول، التزم الخط السلفي دوماً برأي الإمام أحمد بن حنبل، الذي أكده ابن تيمية في وجوب طاعة الإمام ورفض الفتنة والحفاظ على وحدة الأمة. ويرجع بعض السلفيين المعاصرين عنف الجماعات الإسلامية المسلحة إلى الفكر الإخواني (القطبي) وليس إلى التأثر العقدي بالمذهب السلفي(الوهابي). والواقع أن الإشكالية أكثر تعقيداً، ولها أوجه عديدة، ولا يمكن حصرها في هذا الجدل الإخواني – السلفي. إنها تتعلق بمناح ثلاثة في المسألة الدينية الراهنة نادراً ما يتم التمييز بينها وهي: المنحى التقليدي الانكفائي، وأنماط التدين الحديثة، والنزعات "الأصولية "الثورية العنيفة. قد تتقاطع هذه الاتجاهات، لكنها تختلف من حيث الخلفيات والرهانات والمصائر. أما الاتجاه التقليدي الانكفائي، فهو الذي يستند عقدياً ومجتمعياً إلى تجارب التدين الموروثة التي تقلصت على نطاق واسع في البلدان الإسلامية. إنه اتجاه لا ينمو إلا في المجتمعات التي لم تغير بعد الحداثة توازناتها الثقافية والمعيارية، ولا يزال للإسلام التقليدي فيها حضور مؤسسي مكين. وليس من الضروري أن يأخذ هذا الاتجاه صيغة سلفية، بل يمكن - كما هو الغالب- أن يأخذ طابعاً صوفياً، كما هو شأن الأرياف والقرى الموريتانية والسودانية. أما الشكل السلفي في بعده التقليدي، فلا يزال قائماً في المجال النجدي السعودي في نزوعه الانكفائي الحريص على الحفاظ على الحياة "المستقيمة" غير الملوثة بالحداثة الغازية، التي لا يرى فيها بعداً إيجابياً.ويمكن القول إن السلفية الانكفائية لا تسلك طريق العنف ولا تحبذه على الرغم من مسلماتها التكفيرية الصارمة، بل تختار الانعزال الطوعي وتشعر بالهشاشة وتحس الخطر من الوافد فتختار الانعزال والتقوقع بدلا من الموقف الرسالي التعبوي. فخط الدعوة لا يتجاوز بالنسبة لها الاحتفاظ بحرفية العيش على طريقة السلف، مما يعني عملياً تثبيت أنماط اجتماعية مهددة تدريجياً بالضياع. أما أنماط التدين الحديثة، فإن كانت تنزع دوماً إلى البحث عن شرعية عقدية بل وتراثية أحياناً، إلا أنها في الواقع اتجاهات معاصرة في نسيجها القيمي والمعياري وصيغ تشكلها الاجتماعية. فهي تنبع من حركية "انهيار القوالب الجماعية للاعتقاد" حسب عبارة عالم الاجتماع "مارسيل غوشيه"، ولذا فهي تعكس ما يسم المجتمعات المعاصرة من فردية وتعددية وعرضية انتماء، شأنها شأن كل الاتجاهات الأيديولوجية والثقافية الراهنة. وفي الساحة الإسلامية يمكن أن نتبين اليوم ثلاثة نماذج من هذه التيارات الدينية الحديثة: - الحركات الإسلامية السياسية التي تسعى للاندماج في الأطر الشرعية للفعل السياسي، فتنتهي تدريجياً إلى التحول بضغط منطق الدولة القومية، إما إلى أحزاب "يمينية" محافظة (كحزب العدالة والتنمية التركي) أو إلى تشكيلات أرثوذوكسية تسعى لامتدادات سياسية (كما هو شأن الإخوان المسلمين في مصر والأردن والكويت). - التجمعات الطرقية الصوفية الواسعة النشاط والحضور في أوساط النخب الثقافية والمجتمعية في البلاد الإسلامية وفي الغرب (لدى الجاليات المسلمة الأصلية ومعتنقي الإسلام). إنه لون روحي جديد، ولئن كان يستند للموروث الصوفي المعروف، إلا أنه يقدم نتاجاً يلائم فردية ونخبوية الإنسان الحديث، كما يلائم قيم التسامح والتنوع والتجدد الراهنة التي تزخر بها التجربة الصوفية. - الحقل الاقتصادي - المالي الواسع الذي ولدته حركية المصرفية الإسلامية بشبكتها المعرفية وفضائها المؤسسي المتزايد ودائرتها الاجتماعية العريضة. صحيح أن هذا الحقل يستند إلى الأدبيات التراثية، لكنه يعبر في الواقع عن الظاهرة نفسها، التي هي أنماط التدين الجديدة المنبثقة عن الحداثة والتحديث. أما الحركات "الأصولية " الراديكالية فلئن التقت مع السلفية الانكفائية في الأرضية العقدية والنظرية، فإنها تتميز عنها بجانبها الثوري الراديكالي ونزعتها التعبوية الرسالية العنيفة. إنها تنتمي إلى أفق الحداثة بروح مرضية (بفتح الراء) قلقة وانفصامية، تسعى إلى إعادة المجتمع عنوة إلى أنماط التدين العتيقة التي لم تعد لها قاعدة اجتماعية ملائمة. والواقع أنها لا تدافع عن الدين في ذاته، وإنما تدافع عن الماضي، وتحارب الراهن ، وتهدف لتدمير الحداثة بأدواتها، ومن ثم شغفها الجنوني بتقنيات الاتصال وتكنولوجيا القتل والتفجير. وما لا تدركه هذه المجموعات هو دورانها المفرغ في سجن الحداثة التي تريد الإفلات منه. إنها تجسيد من تجسيدات حركية انهيار المقومات الجماعية للاعتقاد، ذلك أنها تقوم على البنية التنظيمية السرية، وليس على تلقائية الإتباع والتقليد المميزة لنمط التدين التقليدي الأصيل. كما أن فكرة التدمير الإبلاغي (أي تخويل العنف الاستعراضي دلالات إعلامية وإعلانية) لا يمكن إرجاعها لأدبيات الجهاد التراثية، مهما كان التشابه الظاهر في الاصطلاحات. إنها تعبر عن رؤية حداثية للموت كفرصة للاحتفاء بالجسد وتأكيد فردية الانتماء والبحث الأقصى عن التواصل مع الآخر ولو بأعتى تقنيات الدمار.