جاءت أعمال العنف الأخيرة في إقليم "شينجيانج" الصيني، لترفع مرة أخرى غطاء الصمت والتعتيم حول المشكلة الإثنية في الصين الشعبية التي عملت منذ قيامها، في أواسط القرن الماضي، على بناء نظام إدماجي صارم وشديد المركزية، تحول في شكله الأقوامي إلى سيطرة كاملة لأغلبية "الهان" الإثنية. وكانت المصادمات التي اندلعت، يوم السابع من الشهر الجاري، بين أقلية الإيجور المسلمة ورجال الشرطة في شينجيانج، قد أدت إلى مقتل نحو 200 شخص وإصابة مئات واعتقال أزيد من ألفين آخرين... الأمر الذي اعتبرت واشنطن أنه "مثير للقلق"، فيما طالبت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بتحقيق مستقل وبـ "العمل على معالجة أوضاع الإيجوريين لا زيادتها سوءاً". أما بكين فردت بالقول إن نشطاء إيجوريين يعيشون في الخارج، هم من يحرك أعمال العنف في شينجيانج، ولم تتردد في توجيه إصبع الاتهام بشكل خاص إلى الزعيمة الإيجورية "ربيعة قدير" التي تعيش في المنفى. لكن من هي ربيعة قدير؟ وكيف حققت ذلك النفوذ داخل الشعب الإيجوري، وفقاَ لما تفترضه اتهامات بكين؟ تعد ربيعة قدير إحدى أبرز الزعامات السياسية في شينجيانج، بل توصف بأنها "دلاي لاما الإيجور" في إشارة إلى معضلة إثنية أخرى تؤرق الصين في إقليم التبت حيث يحظى الزعيم الدلاي لاما، المنفي هو أيضاً، بنفوذ منقطع النظير. وتتصف قدير بشخصية قوية وعصامية نادرة، إذ استطاعت أن تتحول من عاملة فقيرة في وسط فقير، إلى سيدة أعمال ناجحة وزعيمة سياسية مشهورة ومرموقة. فلأسرة إيجورية فقيرة، ولدت ربيعة قدير عام 1947 في إقليم شينجيانج، وبسبب ظروفها العائلية وزواجها المبكر (في سن السادسة عشرة)، لم تستطع إكمال دراستها. لكنها منذ صغرها كانت طموحة، وشديدة السعي إلى النجاح في حياتها، فبدأت مشوارها المهني بغسل الملابس للحصول على لقمة العيش، ثم توسعت في هذا النشاط، وأسست في عام 1987 شركة مختصة بغسل الملابس، لتمتلك بعد ذلك متاجر كبيرة ثم تنخرط في مجال العقارات. وفي أوج نجاحها العملي، كانت قدير تملك 8 شركات، وقد صنفتها مجلة «فوربس» في عام 1995 كثامن أغني شخصية صينية. وبعد نجاحها في مجال الأعمال، اقتحمت ربيعة قدير مجال السياسة وأصبحت عضواً بمجلس نواب مقاطعة شينجيانج، قبل أن تختارها الحكومة المركزية ممثلا رسمياً للصين في مؤتمر الأمم المتحدة العالمي للمرأة في بكين عام 1995. كما تم اختيارها عضواً باللجنة الاستشارية السياسية للشعب الصيني التي تهتم بالعلاقات بين الحزب الشيوعي الصيني الحاكم وبقية مكونات المجتمع من أحزاب ومنظمات وقوميات. وبالإضافة إلى نشاطها التجاري ومهامها الرسمية، زاد اهتمام قدير بحقوق أبناء الإيجور، وسعت إلى حمايتهم من خلال الأعمال الخيرية، خاصة في ريف شينجيانج، وأسست جمعية «مشروع أمهات ألف عائلة» الذي ساعد آلاف النساء الإيجوريات على امتلاك مشاريع صغيرة. لكن بداية من عام 1997 بدأ التحول في علاقة قدير بالسلطات الصينية، إذ أخذت تضايقها بشكل متزايد، خاصة بعد فرار زوجها الثاني "صديق روزي" وثلاثة من أبنائها إلى الولايات المتحدة. ثم وصلت العلاقة إلى نقطة الانشقاق عندما احتجت قدير علناً في البرلمان على قتل مئات الشباب الإيجور في اضطرابات عام 1997 بمدينة غلجا. وفي كلمتها أمام البرلمان قالت ارتجالا: «هل خطيئتنا أن الصينيين غزوا أرضنا؟ إننا نعيش في ظروف بشعة». فأثارت بذلك غضب الحكومة الصينية، ليتم طردها من البرلمان وتعليق حصانتها وسحب جواز سفرها، خشية أن تلتحق بعائلتها في أميركا. ولم تتوقف قدير عن العمل في مجال حقوق الإنسان، بل زادت من نشاطها فاعتقلتها السلطات في أغسطس 1999 بتهمة «تهديد أمن البلاد»، فحكم عليها بالسجن ثماني سنوات بعد اتهامها بـ "إفشاء أسرار الدولة" عبر إرسال قصاصات من الصحف الصينية إلى زوجها الذي أصبح يقدم من أميركا برامج إذاعية باللغة الإيجورية تدين سياسة بكين في شينجيانج. كما وُجهت إلى أبنائها عدة تهم، ومنهم عبدالحكيم عبدالرحيم الذي أدين بتهمتي "التخريب" والتهرب الضريبي، كما حكم على شقيقه عليم عبدالرحيم بالسجن سبع سنوات لتهم مشابهة، إضافة إلى أحكام أخرى على متاجر الأسرة تلزمها بدفع ملايين الدولارات. لكن بعد خمس سنوات من السجن، وقبل انتهاء مدة محكوميتها، أطلق سراح ربيعة قدير في مارس 2005، فسافرت إلى واشنطن حيث لازالت تعيش هناك إلى اليوم. وكان إطلاق سراحها مقابل قيام واشنطن بسحب مشروع قرار في مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة يدين الممارسات الصينية تجاه الأقليات. وإحدى تلك الأقليات المقصودة في مشروع القرار، هي أقلية الإيجور التي تنتمي إليها ربيعة قدير وتدافع ضد ما تعتبره مظالم تاريخية جسيمة بحقها. وأقلية الإيجور هم قومية من آسيا الوسطى، ناطقة باللغة التركية وتعتنق الإسلام. ويقدر عددهم بنحو 9 ملايين نسمة، أغلبهم في إقليم شينجيانج الذي كان يعرف باسم "تركستان الشرقية" قبل ضمه إلى الصين. وقد مرت العلاقة بين الإيجوريين والصينيين بفترات صدام وتعايش متعاقبة، إذ تمكن الإيجوريون من إقامة دولة تركستان الشرقية طوال عشرة قرون قبل أن تنهار أمام الغزو الصيني عام 1759، ثم مرة أخرى في عام 1876، إلى أن قامت أخيراً الصين الشعبية بضم الإقليم نهائياً في عام 1950، حيث بدأت تدفع إليه بملايين من قومية "الهان" التي توشك اليوم أن تصبح أغلبية في شينجيانج. وإن لم تلقَ السياسة الصينية الرامية إلى تغيير البنية الديمغرافية لشينجيانج اهتماماً دولياً كبيراً، فالحقيقة أن كثيراً من الاتهامات الموجهة إلى الغرب، إعلاماً وحكومات، بازدواجية تعامله مع قضيتي الإيجور والتبت، هي اتهامات لا تخلو من مبالغة، فالموقف الأميركي إلى جانب ربيعة قدير يوشك أن يجعلها في مرتبة واحدة مع زعيمة المعارضة البورمية "سو تشي" والدلاي لاما برمزيته الناصعة في الغرب. محمد ولد المنى