عندما انعقد مؤتمر دول عدم الانحياز (118 دولة!) في شرم الشيخ بجمهورية مصر العربية، كان القرن الأفريقي وجواره قد انضمَّا في وعي المجتمعين إلى بؤرة التوترات (منطقة الشرق الأوسط) في حضور الأزمات، واستعصاء الحلول. وقبل الدخول في الموضوعات التي عالجها المؤتمر المشهود، كان الحدث الطريف الذي صنعه العقيد معمر القذافي. فبعد مقدمةٍ في إثبات لا جدوى الإجتماع، انصرف القائد الليبي إلى اقتراح خطةٍ على المجتمعين، أَثْبتت من حيث لم يقصِدْ (استناداً إلى مقدمته) أنّ هؤلاء الذين قلل من قيمتهم هم بالذات أهمُّ مجموعات العالم المعاصر! فقد طلب منهم تشكيل تنظيم أُمَمي، بأُممه المتحدة، ومجلس أمنه، ووكالاته الأُخرى، والانصراف إلى حلّ سائر مُشكلات العالَم! لكنّ القذافي باستنتاجاته التي تُناقضُ المقدّمات، ما سأل طبعاً السؤال الأهمَّ الذي أَوحت به تمهيداته: عدمُ الانحياز تُجاه مَنْ؟ وكيف يُفهمُ عدمُ الانحياز الآن؟ إذ المعروف أنّ منظمة دول عدم الانحياز أو الحياد الإيجابي ظهرت عام 1955 في باندونج بإندونيسيا إبّان اشتعال الحرب الباردة بين الجباَّرين على أثر الحرب الكورية. وقد أرادت الدول الآسيوية والأفريقية (وبعض الأوروبية: يوغوسلافيا مَثَلا) التي جمعها سوكارنو بباندونج أن تقي العالَم شرورالاستقطاب، وتمنع نشوب حرب عالمية ثالثة، وتعمل على تحرير بلدان القارتين الكبيرتين من بقايا الاستعمار. وما انتظر تحالُف تكتل الدول لكي ينفضَّ انتهاءَ الحرب الباردة؛ بل انفضَّ وتشرذم عملياً حين انحازت سائر الدول المشاركة فيه، خلال ستينيات القرن الماضي، إلى إحدى القوتين العظميين المنهمكتين في الصراع والتفاوض على التقاسُم في الوقتِ نفسِه. ولو أنّ تلك الدول كانت منطقيةً وشجاعةً مع نفسِها وحلفائها، لأعلنت أو أعلن بعضُها التخلّي عن أيديولوجيات الحياد الإيجابي بعد حرب عام 1967 من جانب إسرائيل على سوريا ومصر والأردنّ. أو بعد حرب عام 1972 من جانب الهند (أحد أقطاب عدم الانحياز) على باكستان. ففي الحربين المذكورتين أثبت ذاك التحالُف أنه ليس قائماً فضلا عن أن يكونَ مُحايداً أوحيادياً. إذ انحازت كثيرٌ من دوله إلى إسرائيل في الحرب الأولى، كما انحاز غيرها إلى الهند في الحرب الثانية. ولندعْ البقاءَ الاسمي لذاك التحالُف لأكثر من أربعين عاماً دون جدوى، ولنلاحظْ أنه بقي رغم انتهاء الحرب الباردة التي كانت في أصل قيامه، ولننصرفْ إلى استعراض الموضوعات أو المشكلات التي مَرَّتْ على أسماع الحاضرين خلال اجتماع شَرم الشيخ، وفيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط، والقرن الأفريقي بالذات. في القرن الأفريقي وجواره هناك مشكلتان مستعصيتان، هما: المشكلة السودانية، والمشكلة الصومالية. في السودان هناك مشكلة الشمال والجنوب، وهناك مشكلة دارفور، وأخيراً هناك مشكلة تجمع سائر الأحزاب السياسية في مواجهة نظام الحكم القائم. ولهذه المشكلات كلّها تواريخ وأسباب مختلفة، لكنها الآن تتحشّد وتتعقّد على ساحةٍ واحدة، هي ساحةُ الحكومة السودانية، والتي أُضيف إليها قبل عدة أشهر قرار المحكمة الجنائية الدولية باستدعاء رئيس السودان عمر البشير لمساءَلته بشأْن ما قيل إنه جرائم مرتكَبة في دارفور. وفي الصومال هناك النزاع الداخليُّ المستمرّ منذ عام 1992، والذي أضيف إلى تقلباته قبل عامٍ ونصف حرب القراصنة الصوماليين على السُفُن التجارية في المحيط الهندي. والطريف والمأساوي في الوقتِ نفسِه أنّ جارتـي الصومال إثيوبيا وأريتريا -وبينهما نزاعٌ هائلٌ قديم- تدخلتا في الصومال، وهما الدولتان العلمانيتان، لدعم كلٍ من الطرفين الإسلاميين المنهمكَين في النزاع والتخاصُم بالداخل! وقد استنكر المجتمعون بشرم الشيخ استمرار هذا النزاع، ودعوا الأطراف الصومالية للتفاوُض والتوافُق، بعيداً عن التدخلات الخارجية. وكانت تلك نهاية المطاف في قُدُرات الـ118 دولة من دول عدم الانحياز! أمّا في نزاع الشرق الأوسط الرئيسي، أي الصراع على فلسطين؛ فإنّ المجتمعين أيَّدوا المبادرة العربية للسلام، وحلّ الدولتين. واستنكروا استمرار إسرائيل في احتلال الأرض العربية. لكنّ أوساط المؤتمرين تحدثت بصوتٍ منخفضٍ عن ضعف وضع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، وعن الانقسام داخل السلطة و"فتح"، وعن تعذر التوافُق بين "حماس" و"فتح" بعد الوساطة المصرية الطويلة الأَمَد. وتحدثت أيضاً عن فشل المحاثات بلندن بين جورج ميتشل، مبعوث الرئيس الأميركي، ووزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك. ميتشل يقول لباراك: أوقِفوا الاستيطان، ولننصرف للتفاوُض، وباراك يجيب: لا نستطيع ذلك وإن استطعنا، فأين هو الشريكُ الفلسطيني الذي يتمكن من تنفيذ الاتفاقات التي نتوصَّلُ إليها؟ ثم كيف تريدنا أن ندخل في محادثات السلام وأمام أعيننا أربعون ألف صاروخ لـ"حزب الله"، وملف نووي إيراني؟! وبالنظر إلى هذه "الوقائع"؛ فإنّ المؤتمرين انفضّوا بعد أن أصدروا "وثيقة فلسطين" إرضاءً لضمائرهم! وما قصّر الوفد العراقي في الدعاية لقضيته المتمثّلة في عراقٍ ديمقراطي موحَّد بعد جلاء الأميركيين التدريجي عنه. وأيَّد المجتمعون الحكومة العراقية "المنتخَبة"؛ لكنّ بعضَهم أعلن عن مخاوفه من العنف المنتشر بالعراق، ومن النزاع حول كركوك. إنّ الموضوعَ هنا لا يتعلق بمدى كفاية وفعالية جبهة عدم الانحياز وحسْب؛ بل يتعلقُ بالدرجة الأُولى بالأوضاع المتفاقمة في منطقة الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، وعدم قدرة الأطراف الدولية على التصدي لمعالجتها. فقد تغيرت السياساتُ الأميركيةُ بالفعل في عهد الرئيس أوباما، وكانت هناك دعوةٌ قويةٌ للتوافق وحلّ النزاعات عن طريق التفاوُض. بيد أنّ المستفيدين من الأوضاع المتردية أيام الرئيس بوش الابن، ما سارعوا طبعاً لوضع أوراقهم في تصرف الولايات المتحدة. وعلى رأس هؤلاء: "القاعدة" وإسرائيل وأريتريا وإيران. فـ "القاعدة" جددت فعالياتها في العراق واليمن. وإسرائيل ما تزال ترى في النزاع حامياً لها، ولا يبعُدُ أن تَستدرج الآخرين لحربٍ أو حروب لإفشال خِطط التسوية التي لا تُعجبُها. وأريتريا التي تمتعت طويلا بدعم البريطانيين والأميركيين؛ تجمعُ أوراقاً بيدها رجاءَ مساومة الرئيس أوباما عليها. وإيران محتارة بعد مشكلات الانتخابات الرئاسية، ماذا تفعل، هل تقبلُ التفاوُض على كلّ الملفّات العالقة فتبدو في موقفٍ ضعيف، أم ترفض وتستخدم امتداداتها في العراق ولبنان وغيرهما؟! أما الأميركيون فقد بدأوا بالتذمُّر بعد حماسة الأسابيع والشهور الأولى، والتي حفلت بإعلانات النوايا من جانب الرئيس الجديد. هم يتذمَّرون من العجرفة الإسرائيلية وسيطرة هاجس الأمن على كلّ السياسات والمستويات. ويتذمرون من اكتفاء العرب بمبادرة السلام، وعدم إقدامهم على إجراءات لبناء الثقة! ويتذمرون من تردد أطراف المجتمع الدولي في المساعدة بالعراق، وأفغانستان، وفي مقديشو بالصومال. ويتذمرون أخيراً من سوء النية وسوء الفهم للمبادرات وإعلانات النوايا التي توجَّه من خلالها الرئيس أوباما إلى أهل المنطقة والعالم طالباً التفهم والتفاهُم. صحيحٌ أنّ الرئيس أوباما تذمَّر وانزعج عندما طولب في القاهرة بحلّ النزاع العربي الإسرائيلي وقال: نزاعٌ مستعرٌ منذ ستين عاماً وتطلبون مني حلَّه في أربعة أشهر؟! اصبروا عليَّ سنتين! لكنْ بين النزاع والتذمُّر والتأمُّل، وباجتماع دول عدم الانحياز أو عدم اجتماعها، تستمر النزاعات وتتفاقم وتتكاثر، ولسانُ حال المراقبين قول الشاعرالعربي القديم: تكاثرت الظباءُ على خِراشٍ فما يدري خراشٌ ما يصيدُ