مرحلة اللاعودة في تجاذبات إيران... وخلفية الاحتقان في اضطرابات الصين تعقيدات تشكيلة البرلمان الأوروبي الجديد، ودخول رفسنجاني المعلن على خط أزمة ما بعد الانتخابات في إيران، ووقوع الصين في مرمى التهديد الأصولي بعد الأحداث الإيجورية، موضوعات ثلاثة حضرت بقوة في افتتاحيات وصفحات رأي الصحف الفرنسية. مسرح خيال الظل في ستراسبورج: تحت هذا العنوان كتب باتريك آبل- مولر افتتاحية بصحيفة لومانيتيه استعرض فيها التجاذبات وعلاقات القوى الحزبية التي أفرزتها الخريطة السياسية الجديدة للبرلمان الأوروبي، في جلسة انعقاده الأولى بمقره في ستراسبورج. وهي الجلسة التي تم فيها اختيار رئيس الوزراء البولندي السابق "جيرزي بيزك" رئيساً لهذا البرلمان، في تشكيلته الحالية، بعد الانتخابات التشريعية الأوروبية الأخيرة. ويرى الكاتب أن ما جرى ويجري من تحالفات ومواقف ومفارقات يذكّر ببعض تقاليد مسرح خيال الظل الساخر، فرئيس البرلمان الجديد، المعروف بأطلسيته المفرطة وليبراليته المتطرفة، فاز، مع ذلك، بـ "أغلبية" ساحقة تذكر ببعض ما تفرزه صناديق انتخاب رؤساء جمهوريات الموز من عجائب الأرقام، وإن كان ذلك لا يغير شيئاً من حقيقة اتصافه بجميع ما من شأنه أن يدفع القوى التقدمية في القارة للشعور بالاستياء الشديد. وزيادة على انتخاب رئيس البرلمان، هنالك أيضاً معركة مفارقات أخرى لا تقل إثارة ولا تعقيداً هي التجديد لرئيس المفوضية الأوروبية، خوسيه مانويل باروزو، الذي يتهمه بعض رموز كتلة اليسار الاشتراكي الفرنسي بأنه مستعد، من أجل إعادة انتخابه، للاستنجاد بتأييد المحافظين البريطانيين، المناهضين أصلا للمشروع الأوروبي برمته. ولئن كان رئيس الوزراء البرتغالي السابق، باروزو، مستعداً للتحالف مع أي كان للبقاء في موقعه، فإن في مقدوره أيضاً التعويل على دعم نظيريه الاشتراكيين الاجتماعيين رئيسا وزراء بريطانيا وإسبانيا غوردون براون ولويس ثاباتيرو. ويأخذ الكاتب، أخيراً، على قوى اليسار الأوروبي تمزقها، وعدم قدرتها على اتخاذ مواقف موحدة في وجه القوى القارية ذات الميول المحافظة واليمينية. ولا تبتعد افتتاحية لصحيفة لوموند عن ذات القراءة في رسم علاقات القوى الجديدة في برلمان ستراسبورج، حيث ترى أن ثمة لعبة حزبية وجبهوية خفية تجري في الكواليس لتقاسم رئاسة البرلمان، ورئاسات لجانه الفرعية، وإن كانت تركز على انتقاد طريقة تحرك الحزب الاشتراكي الفرنسي تحديداً ضمن هذا التجاذب. فأكبر أحزاب اليسار الفرنسي نقل معه هناك أيضاً تمزقاته الداخلية في الرؤيا والتوجهات، وصدَّر ازدواجيته الداخلية للبرلمان الأوروبي، والنتيجة أنه كرس هنالك نوعاً من الغموض، غير القابل للتفسير أو التفكيك، في مجمل خياراته وتوجهاته وتحالفاته. وأسوأ من ذلك كله أن المسافة لا تزيد عادة على خطوة واحدة بين استراتيجية الغموض الأوروبي هذه التي ينتهجها الحزب، وبين مناهضة المشروع الأوروبي في مجمله وفي تفاصيله، وبشكل صريح، كما تفعل قطاعات معروفة من اليمين المتطرف، وهنا المفارقة الاشتراكية الماثلة. إيران... عودة رفسنجاني للواجهة: صحيفة لوفيغارو نشرت افتتاحية كتبها بيير روسلين تحت عنوان: "ساعة رفسنجاني"، وفيها رصد دخول الرئيس الأسبق بقوة إلى مسرح السجال الداخلي المستمر منذ اقتراع 12 يونيو الماضي، وذلك من خلال خطبة الجمعة أول من أمس، حيث طالب صراحة بإطلاق سراح الموقوفين من المحتجين المؤيدين لتيار مير حسين موسوي، الرافض للنتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية. ويرى الكاتب أن عودة رفسنجاني إلى الأضواء مجدداً، تعطي التنافس المحموم بين التيارين المحافظ والإصلاحي زخماً إضافياً، مع اعتقاد راسخ بأن رفسنجاني كان موجوداً أصلا بقوة في خلفيات هذا الصراع، وكل ما طرأ الآن هو أنه، على ما، يبدو أنه قرر الخروج بمعارضته من استراتيجية الظل والدعم، إلى خيار المواجهة الصريحة المفتوحة. ويعتقد روسلين أن الاصطفاف والاستقطاب بين التيارين سيزدادان الآن، بالنظر إلى وزن رفسنجاني، باعتباره أحد أثرى وأقوى رجال السياسة في إيران، إضافة إلى كونه أحد الزعماء المؤسسين لإيران الخمينية، إذ تولى رئاسة أول مجلس (برلمان) في عهد الثورة، ليتسلم بعد ذلك مقاليد رئاسة الجمهورية، ويسود اعتقاد على نطاق واسع بأنه أيضاً لعب دوراً ملموساً في اختيار المرشد الحالي لخلافة الخميني، وإن كانت علاقات الزعيمين عرفت فيما بعد اختلافاً في الرؤى والتوجهات ظل يتزايد مع مرور الوقت حتى وصل الآن إلى حد تأييد كل منهما لتيار مختلف عن تيار الآخر. ومعروف عن رفسنجاني زيادة على ذلك تأييده لإجراء إصلاحات على النظام السياسي، مع تركيز خاص على الانفتاح الاقتصادي على العالم الخارجي، على الطريقة الصينية، على اعتبار أن النجاحات الاقتصادية هي أفضل رافعة للنظام السياسي، في الحالة الإيرانية خاصة. وأخيراً تتوقع الافتتاحية ألا يتراجع رفسنجاني عن معارضته للحالة القائمة، وذلك لأن مرحلة الصراع السياسي الداخلي التي انفتحت الآن ليست من النوع الذي ينتهي في منتصف الطريق. وفي سياق متصل وصفت افتتاحية أخرى لفابريس روسيلو في صحيفة ليبراسيون ما وصفته بربيع طهران بأنه ما زال مستمراً، على رغم أن كل الدلائل تشير إلى أن صيف هذا العام سيكون مختلفاً ومحتقناً بشكل كبير. ومع ذلك تسجل ليبراسيون بداية احتواء أعمال الاحتجاج والموجة الخضراء الرافضة لنتائج الانتخابات، واستمرار ما يمكن تسميته بمعارضة الإنترنت فقط، لا غير، داعية المجتمع الدولي، للتعبير عن موقفه من التجاذب الإيراني، بطريقة تتجاوز ما وصفته بالصمت المطبق، حيال ما جرى ويجري هناك. المسألة الإيجورية... تحدٍّ في الصين: صحيفة لوفيغارو كتبت افتتاحية حول الاضطرابات الأخيرة التي عرفها إقليم زينجيانج الصيني، معتبرة أنها قد ألقت بظلال قوية على صورة الصين عبر العالم، فقضية سكان ذلك الإقليم الناطقين بالتركية يمكن أن تولِّد من ردود الفعل في العالم الإسلامي، خلال السنوات المقبلة، نظير ما ولدته قضية إقليم التيبت في العالم الغربي، خلال السنوات الماضية. وأخطر ما جد في هذا الاتجاه هو تهديد تنظيم "القاعدة" في شمال أفريقيا باستهداف الرعايا الصينيين. وهو تهديد قالت الصحيفة إنه يأخذ على محمل الجد في بكين. وبهذه الكيفية تجد الصين نفسها، ودون مقدمات، في ذات خانة الاستهداف الأصولي إلى جانب الدول الغربية. هذا مع أن الرعايا الصينيين سبق أن تعرضوا أصلا لاستهداف أصولي في باكستان واليمن، وفي الجزائر نفسها في الفترة الأخيرة. والحقيقة أن مثل هذا التهديد يخدم عملياً اتهامات طالما رددتها بكين حول ترابط قائم بين قوى إيجورية صينية وجماعات أصولية خارجية. غير أن ردود الفعل على أحداث زينجيانج لم تقتصر، مع ذلك، على الجماعات الأصولية، بل تعدت ذلك إلى بعض قوى الاعتدال في العالم الإسلامي، وهنا تلفت لوفيغارو الاهتمام إلى خصوصية رد الفعل التركي الرسمي تجاه هذه الأحداث، واستدعاء رئيس الوزراء أردوغان لعبارة "الإبادة" في توصيفه لما يحدث هناك. وتتوقع الصحيفة ألا يقف رد الفعل التركي عند حد الخطابة، بل ترجح أن تشهد الفترة المقبلة تجاذباً محموماً بين بكين وأنقرة في دول آسيا الوسطى الناطقة بالتركية، والتي تتطلع الصين باستمرار للاستفادة من فرص الشراكة معها. وفي ذات الصحيفة كتب أيضاً آرنو دلاجرانج تحليلا سياسياً ركز فيه على خلفيات أحداث زينجيانج، مشيراً إلى ثلاثة أسباب رئيسية هي ما أججها. فهنالك أولا شعور متنامٍ في صفوف الأقليات بخصوصياتها الثقافية والعرقية، مع ما ينبغي أن يترتب على ذلك. وهنالك الضغوط الاقتصادية. وأخيراً هنالك تراجع محسوس لبعض الوثوقيات الرسمية، وإخفاق صريح لبعض طرق إدارة التجاذبات والاحتقانات الداخلية. إعداد: حسن ولد المختار