من المهارات التي يحتاجها المجتمع العربي من شرقه إلى غربه، والتي تنقصنا كأفراد ومجتمعات، تأتي مهارة تحديد الأولويات. وقد أسميتها مهارة؛ لأنها مكتسبة. بلغة أخرى، لا يولد الإنسان ولديه هذه المهارة، ويكتسبها الفرد بعد خوض تجارب كثيرة في حياته، ربما تكون مريرة في بعض الأوقات، ولكن الطريقة الأمثل لتعلم هذه المهارة، تكمن في دراستها قبل تطبيقها وتجريبها في الحياة. وأقصد بدراستها أن تكون ضمن مناهج التربية والتعليم، وكذلك التعليم العالي، هذا إن أردنا شباباً في مستقبل أوطاننا عندهم إحدى أهم مهارات النجاح والتميز في الحياة. دعوني أسق لكم بعض الأمثلة التي من خلالها ندرك أن أحد أهم أسباب الفشل في حياتنا يكمن في غياب سلم الأولويات. الإنسان قبل الزواج له أولويات في حياته، وربما هي حياة دون ترتيب في كثير من الأوقات. فلا يوجد لديه وقت محدد يقضيه داخل البيت وآخر مع الأصحاب. إذا استمر الإنسان على هذا الوضع بعد الزواج، فهذه مقدمة لأزمة لفشل الحياة الزوجية، لكن الإنسان الذي درس سلم الأولويات في حياته الجامعية مثلاً سيدرك أنه من الواجب عليه أن يعيد ترتيب أولوياته بعد الزواج، فيكون منزله الصغير وزوجته هم الأوْلى أن يقضي معهم جل حياته ويتدرب على هذا الأمر قبل أن يرزق بالذرية؛ لأنهم بحاجة إلى تربية مشتركة بين الأب والأم حسب مراحل نموهم المختلفة. وفي ظل غياب الأولويات في حياة كثير من الأزواج الجدد، نجد وفور انتهاء مراسم شهر العسل، تعود الزوجة لبناء علاقات مستمرة مع بنات جنسها، وكذلك الزوج، وقد لا يلتقيان إلا في ساعات النوم، وعندها نسأل: لماذا لم تعد البيوت المحْضَن الأساس للأسرة. المصيبة أن هذه الحالة تنتقل بعد ذلك إلى الأبناء الذين لا يطيقون البقاء مع الأهل، إلا إذا أُجبروا على ذلك، بكل شك وجود الأسرة كأولوية في حياة الإنسان لا يقتضي بالضرورة تجميد كل العلاقات خارجها، لكن يجب تنظيمها، بحيث لا تطغى على حياة الإنسان الداخلية. مثل آخر لأهمية الأوليات في حياة الإنسان يرتبط بالعمل والمهنة التي يشتغلها. لا شك في أن العمل عبادة، ووجود الإنسان في مهنته مادياً ومعنوياً له متطلبات، وليس منها السهر إلى آخر الليل فيما لا يلزم من الأمور، فتجد بعض الموظفين مثلًا يسهر إلى آخر الليل في المقاهي أو مع الأصحاب، والنتيجة الوصول متأخراً عن وقت العمل، وإن جاء في الموعد المحدد فهو حضور مادي فقط؛ لأن الدماغ مازال في حالة نوم لا يخرج منه إلا بعد الضحى، وهذا أحد أهم أسباب قلة الإنتاجية في أعمالنا. يعجبني هذا الجانب في حياة الغربيين، فتجد أنهم خلال أيام الأسبوع ينامون قبل التاسعة مساء، ويستيقظون مع الفجر، وليس عندهم صلاة مكتوبة في ذلك الوقت، وفي المقابل تجد المسلم الذي غابت لديه الأولويات يسهر مع الأصدقاء أو متابعة الأفلام والبرامج وينام عن صلاة الفجر المكتوبة التي لا يكاد يصليها اليوم حاضرة إلا القلة، ويأتي عمله نائماً متثاقلاً، فهل الأوْلى صلاة الفجر والعمل أم السهر لغير فائدة؟ لو ابتعدنا عن الأمثلة الفردية إلى البعد السياسي، لرأينا العجب العجاب، فتجد في بعض الدول العربية، وفي ظل غياب الأولويات، اهتماماً كبيراً بتحسين صورة الدول في المنظمات العالمية وتنفق ملايين الدولارات لتحسين صورها المشوهة لإرضاء المجتمع الدولي. وفي المقابل، فإن الفرد في تلك الدول يئن تحت أزمات لا تعد ولا تحصى، ولو تبنت هذه الدول سياسة أن الإنسان هو في المقام الأول من خطط الدول وبرامجها، لنجحت على الصعيد الداخلي، وهو الأهم، وكذلك على الصعيد الدولي. غياب سلم للأوليات في حياتنا كأفراد ومجتمعات، له نتائج سلبية لا تعد ولا تحصى، وقد آن لنا أن نتعلم من تجاربنا، وندرب الجيل القادم على مهارة بناء سلم الأولويات في حياته.