كشفت الجهات المعنيّة في الدولة، مؤخراً، عن ضبط ما يزيد على 16 ألف مخالف ومتسلّل، خلال النصف الأول من العام الجاري، وهذا الأمر يسلّط الضوء مجدداً على ملف العمالة المخالفة، إذ برغم الإجراءات العديدة والمتنوّعة التي تتخذ للقضاء على هذه المخالفات، فإنها لا تزال قائمة وفي تزايد مستمر. والواقع يشير إلى أن هناك أسباباً عديدة تقف وراء هذه الظاهرة، لعلّ أبرزها في هذا السياق ما تسمّى شركات العمل الوهمية، التي ليس لها وجود ميداني أو اقتصادي في الواقع، وهذه الشركات تتخذ من استقدام العمالة الوافدة تجارة ووسيلة للربح السهل دون أن توفّر عملاً حقيقياً لها؛ فهذه الشركات تسيء استخدام تأشيرات الزيارة للدّولة، وتلجأ إلى استخراج المزيد منها بشكل مبالغ فيه، وذلك نظير أموال طائلة من جانب الأفراد، الذين يستغلونها في البحث عن عمل. وفي الغالب، فإن هؤلاء لا يغادرون الدولة بعد انتهاء مدة تأشيرة الزيارة، ويبحثون عن عمل. والمشكلة لا تتوقف عند شركات استقدام العمالة الوهمية، بل تتعدّاها إلى العديد من المنشآت العاملة في الدولة، التي تسعى إلى التعاقد مع هذه العمالة "المخالفة" برغم أنها تعلم بحقيقة أوضاعها، لكنها تفضلها، ليس لأنها تحصل على أجر رخيص فحسب، بل للمكاسب التي تحققها من ورائها أيضاً. والأهمّ أن هذه العمالة "المخالفة" لا تستطيع أن تطالب بحقوقها من هذه المنشآت إذا ما نشبت أيّ مشكلة أو خلاف معها، وتكون نتيجة ذلك هي ضياع حقوق هذه العمالة برغم الضمانات العديدة التي تكفلها الدولة لحماية حقوق العمّال من جانب أصحاب الأعمال، لكن المشكلة هنا أن هذه العمالة "المخالفة" لا تعلم الجهات الرسميّة عنها شيئاً، ولا عن طبيعة العلاقة التي تربطها بهذه النوعية من المؤسسات. إن العمالة "المخالفة" تمثّل ظاهرة خطرة لها تداعياتها السلبية على الجانبين الاجتماعي والأمني، فهي تشكل أحد مصادر التهديد المحتملة لأمن المجتمع واستقراره، إذ إن بعض عناصر هذه العمالة، قد يرتكبون بعض الجرائم، كونهم يعيشون من دون رقابة، ومن دون كفيل مسؤول عنهم، وقد ثبت تورّطهم بالفعل في ممارسات ومخالفات عديدة من شأنها تهديد الأمن الاجتماعي، كالاتجار في المخدرات، أو القيام بسلوكيات غير حضارية كممارسة التسول. وعلى هذا، فإن القضاء على هذه الظاهرة، أو تقليصها إلى أدنى حدّ ممكن، يعدّ شرطاً أساسياً لضمان عودة الانضباط التام إلى سوق العمل. لقد اتخذت الدولة في العامين الماضيين العديد من الإجراءات لمواجهة هذه الظاهرة والتصدّي لها، كالقانون الاتحادي رقم (8) لسنة 2007، الذي يفرض عقوبات رادعة بحق المخالفين، والشركات المخالفة، تنوّعت بين الحبس والغرامة المالية، أو الجمع بينهما، أو من خلال الحوافز التي تقدّمها وزارة العمل إلى هذه العمالة "المخالفة" من أجل الإبلاغ عن كفلائها، كما أدخلت تعديلات مهمّة على قانون دخول الأجانب وإقامتهم في الدولة العام الماضي، الذي نظّم إلى حدّ كبير موضوع منح تأشيرات السياحة، التي تعدّ أحد الأبواب الخلفية للعمالة المخالفة. وإذا كانت الدولة لا تألو جهداً في التصدّي لهذه الظاهرة الخطرة، فإن ثمّة ضرورة لتعاون الجهات الأخرى معها في هذا السياق، ويبرز هنا القطاع الخاص، فعلى شركاته التي توفّر عملاً للمخالفين التوقف عن هذا، كما أن على أفراد المجتمع أيضاً الإسهام بدور إيجابي في مواجهة هذه المشكلة من خلال التعاون مع الأجهزة المعنية بالإبلاغ عن أيّ مخالفين أو متسللين، للمساهمة في تطبيق القانون من ناحية، وحماية المجتمع من ناحية ثانية.