يحتفل العرب هذا العام بالقدس عاصمة للثقافة العربية، وهي احتفالية رمزية تؤكد تمسكنا بعروبة القدس وحلم استرجاعها من براثن الاحتلال الذي مضى عليه اثنان وأربعون عاماً يوم سقطت في حرب الأيام الستة التي سميناها "النكسة" عام 1967. وقد عملت إسرائيل منذ احتلالها لهذه المدينة على تهويدها وطرد أهلها وصبغها بالصبغة اليهودية، بل وأعلنتها عاصمة أبدية لدولة إسرائيل. ومنذ ذلك التاريخ والمدينة الجميلة تتحول من مدينة عربية إلى أخرى غير عربية. لم يعترف العالم بالقدس عاصمة لإسرائيل، لكن العالم لا يرفض ذلك إيماناً بعروبتها وإنما طمعاً في تدويلها، فالعالم لا يريد القدس عاصمة لهذه الدولة "حصراً" أو تلك -سواء إسرائيل أو الدولة الفلسطينية التي لا نزال نحلم بقيامها. ونظرة سريعة على تاريخ مدينة القدس تظهر أنه تعددت السيطرة عليها منذ إنشائها عام 3000 قبل الميلاد على يد "مليك صادق" أحد أشهر قادة الكنعانيين، الذي سمي "ملك السلام"، ومن اسمه جاء اسمها "أور سالم" (مدينة سالم) أو أور شاليم. وقد احتلها الهكسوس والآشوريون والبابليون والإسكندر المقدوني فالرومان ثم احتلها كسرى ابرويز الفارسي عام 614م وطرد هرقل الروماني الفرس منها عام 628م إلى أن فتحها العرب المسلمون بعد معركة اليرموك وهزيمة الروم عام 636م. وقد تداول على حكمها من الدول الإسلامية الأمويون والعباسيون والطولونيون والفاطميون إلى أن احتلها الصليبيون في حوالي عام 1107م. ثم حرّرها صلاح الدين الأيوبي عام 1187 بعد معركة حطين، وتبع المماليك الأيوبيون في السيطرة على المدينة حتى سيطر عليها العثمانيون في القرن الرابع عشر الميلادي، وبقيت تحت سيطرتهم حتى الانتداب البريطاني عام 1920 ثم إعلان دولة إسرائيل عام النكبة (1948) التي تلتها النكسة ولا تزال القدس تحت الاحتلال. ومن الواضح أن هذا التاريخ للسيطرة على المدينة، والخطر الذي تتعرض له يومياً، وعملية تشويه عروبتها الدؤوبة، تفرض علينا تفكيراً مختلفاً قبل فوات الأوان، وضياع أية فرصة لنا باستعادة المدينة السليبة أو على الأقل المشاركة في السيطرة عليها. إن تدويل القدس يمنع إسرائيل من الانفراد بها، وهي الخطوة الأولى لانتزاع المدينة من المحتل الغاصب، ومن ثم العمل السلمي والبناء بالمساهمة في تشكيل ثقافتها بعد عولمتها بإشراف دولي ينتزعها من يد إسرائيل ولا يعطينا إياها، لكنه إشراف دولي يساوي حصتنا في المساهمة في بناء المدينة وإثراء ثقافتها، فإن كنا نشطاء ثقافياً، وإن كنا مساهمين نشطين وبنائين محترفين، فإن المدينة سوف تتحول شيئاً فشيئاً نحو الهوية العربية مرة أخرى. صحيح أن اليهود لن يخرجوا منها، لكننا لسنا مع إخراج أحد من أصحاب الديانات منها حتى ولو سيطرنا عليها بالكامل. إن العمل على تدويل القدس ينهي المماطلة الإسرائيلية في مفاوضات السلام حول الحل النهائي للمدينة، ويعزز من موقف المفاوض العربي، ويحرج المفاوض الإسرائيلي الذي لم يستطع طيلة فترة احتلال المدينة خلال العقود الماضية أن يقنع أحداً بيهودية المدينة. لقد مارس المفاوض الإسرائيلي تسويفاً ومماطلة في مفاوضات القدس خلال فترة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وتحججوا بملكية هذا الشارع أو ذاك، أو تذرعوا بتبعية هذا الجدار أو ذاك المنزل، واستمر التسويف لقرض المدينة وابتلاعها بالكامل. وسوف يعترض بعضنا على مبدأ تدويل القدس، وهذا من حقهم شريطة أن يطرحوا بديلًا لاستمرار الاحتلال، فإن كانت الحرب، فالمعادلة ليست في صالحنا في الوقت الحاضر، وإن كان غير ذلك فالانتظار ليس في صالحنا أيضاً ونحن نتفرج على ضياع المدينة التي رفضت إسرائيل قيام أية احتفالية عربية بها كعاصمة للثقافة العربية.