في بولندا الشيوعيّة، كان الحيّز النقديّ الأهمّ والمحميّ ما وفّرته الكنيسة، خصوصاً الجامعة الكاثوليكيّة في لوبلين ومجلّتا "زناك" و"تيغودنيك بوشيشني". وكان من خصوصيّات بولندا في سنوات حكم غومولكا أن الفلاسفة الماركسيّين واللاهوتيّين الكاثوليك طوّروا قواسم مشتركة في دفاعهم عن حريّة التعبير والحريّات المدنيّة، وكان هذا نواة مبكرة لتحالف عرفته السبعينيات من القرن الماضي. في باقي أوروبا الشرقيّة، ظلّ الحزب هو المجال الوحيد لممارسة النقد، وكان الموضوع المأمون من النقد "النافع" يطال الإدارة الاقتصاديّة. فالماركسيّة التقليديّة شديدة التداخل مع الاقتصاد السياسيّ، بحيث باتت السياسة الاقتصاديّة، بعد ستالين، هي المجال المتاح للاعتراض. ثم إن الكثيرين من مثقّفي أوروبا الشرقيّة كانوا لا يزالون ينظرون إلى الماركسيّة بجدّيّة ويعاملون الاقتصاد الشيوعيّ كمنطلق نظريّ للإصلاح. بيد أن التفسير الأبسط هو أن اقتصادات الدول الشيوعيّة، مطالع الستينيات، كانت تُظهر بواكير الإخفاق الذي لا إصلاح له. فمما لم يعد سرّاً، انكشاف عجز تلك الأنظمة عن تأمين الطعام الكافي لسكّانها تبعاً لالتزامها بالإنتاج الضخم للسلع الصناعيّة الأساسيّة. أمّا السلع، خصوصاً الاستهلاكيّة التي يتزايد الطلب عليها، فلم تكن تُنتج أو أنّها كانت تُنتج بنوعيّة رديئة. وبدوره، كان نظام توزيع تلك السلع الرديئة وبيعها يدار بطريقة سيئة جداً، بحيث تعاظمت أسباب النقص والندرة، فضلاً عن الفساد والهدر. وكانت نواقص الشيوعيّة يُغطّى عليها في العقد الأوّل لما بعد الحرب الثانية بالحاجة إلى إعادة إعمار ما هدّمته الحرب. لكنّ في أوائل الستينيات، ومع تباهي خروتشوف بأن الشيوعيّة ستتفوّق على الرأسماليّة، ما عاد ممكناً تلفيق الفجوة بين النبرة الحزبيّة والواقع. وفي صيف 1964، أصدر طالبان في جامعة وارسو هما جاسيك كورون وكاريل مودزيليفسكي نقداً أكاديميّاً للنظام البولندي. وما كتباه كان ماركسيّاً شكلاً ومحتوىً، لكن هذا لم يمنع طردهما من الحزب واتّحاد الشبيبة الاشتراكيّة وإدانتهما في الدوائر الرسميّة لنشرهما "دعاية مناهضة للحزب". وجاء ردّهما في مارس 1965 رسالةً مفتوحة إلى الحزب سلّماها لفرعه في جامعة وارسو، أشارا فيها إلى وجود نظام بيروقراطيّ وأوتوقراطيّ لا يستمع إلا لمصالح النخبة الحاكمة، على حساب الشعب في ازدهاره وحريّاته، وقد استنتجا أن الأمل الوحيد لبولندا ثورة حقيقيّة ترتكز على مجالس عمّاليّة وعلى حريّة الصحافة وإلغاء البوليس السياسيّ. وبعد يوم على تقديمهما رسالتهما اعتُقلا واتُّهما بتبرير إطاحة الدولة، وبعد أشهر حُكما بالسجن ثلاث سنوات، وثلاث سنوات ونصف تباعاً. لقد بدت السلطة شديدة الحساسيّة لاستخدام لغتها ضدّها والدعوة إلى ثورة عمّالية تحلّ محلّ الديكتاتوريّة البيروقراطيّة (ما ذكّر البعض بالنقد التروتسكيّ القديم). وربّما كان النظام مهتمّاً، قبل كلّ شيء، بقطع الطريق على اندماج التشخيص الفكريّ بالجهد العمّاليّ النضاليّ، وهو ما دعت إليه الرسالة. والحال أن قضيّة كورون ومودزيليفسكي أثارت ردوداً حادّة في الجامعة. فالمحاكمة السريّة للطالبين كانت صادمة وظهرت مطالبات تتعدّى إخلاء سبيلهما إلى نشر رسالتهما وبحثهما الذي سبقها. وتبنّى الموضوع هذا أساتذة كبار كليسيك كولاكوفسكي أستاذ الفلسفة في جامعة وارسو: ففي أواخر 1965، خاطب الطلاّب في معهد التاريخ إبّان الذكرى العاشرة لقيام الحكم الحزبيّ، فقال إن تلك المناسبة فرصة ضاعت، وإن بولندا بعد عشر سنوات على انتصار الشيوعية لا تزال أرض امتيازات وقلّة كفاءة ورقابة، فيما اضطهاد كورون ورفيقه علامة على انحطاط الحزب والبلد. وهكذا طُرد كولاكوفسكي أيضاً من الحزب كـ"ليبراليّ بورجوازيّ"، مع أن زملاءه في الجامعة أكّدوا صدق ماركسيّته. وبعد ذاك كتب 22 كاتباً ومثقّفاً شيوعيّاً بارزاً إلى اللجنة المركزيّة يدافعون عن "الرفيق كولاكوفسكي". وهؤلاء، بدورهم، طُردوا. لكن في ربيع 1967 نشأت، في مقابل القيادة التي هزّها الهجوم عليها "من يسارها"، معارضة ثقافيّة جدّيّة فيما صارت جامعة وارسو حصنها، دفاعاً عن حرية التعبير والأساتذة المضطهَدين. وفي الجامعة المذكورة، خيضت كبرى معارك حريّة التعبير مطالع 1968: فقبل أشهر كان المسرح الجامعيّ باشر عرض مسرحيّة لأدم ميكيوفيتش، شاعر بولندا الوطنيّ، كُتبت في 1832، لكنّها بالغة المعاصَرة في تصويرها ثوّار القرن التاسع عشر وهم يقاومون الظلم. وكان للمسرحيّة صدى واسع كما اجتذبت حضوراً كبيراً إلى أن أعلنت السلطات عن إلغاء عرضها. وعلى الأثر زحف الطلبة باتّجاه تمثال ميكيوفيتش، في وارسو، شاجبين الرقابة مطالبين بـ"مسرح حرّ". وقد وصف طالبان من هؤلاء هما هنريك سلاجفير وأدام ميشنيك الوضع للصحافة الأجنبيّة فطُردا من الجامعة. وتدفّقت موجة من العرائض الطلاّبية مرسلة للبرلمان وخطابات حادّة أخرى لكولاكوفسكي وآخرين. وبدوره، هاجم البوليس تجمّعات الطلبة فانطلقت تظاهرات طلاّبيّة وأضربت الجامعة نفسها، وشرعت أوساط حزبيّة تحذّر من أن الحزب يفقد سيطرته كما تحذّر موسكو وتنبّهها إلى وجود مخاطر "تحريفيّة" على الطريقة التشيكوسلوفاكيّة. وبعنف ردّ نظام غومولكا فسحق التحرّكات، مما أدّى إلى استقالة عضو في المكتب السياسي ووزيرين بارزين. وفي المقابل فُصل من الجامعة 34 طالباً وستة أساتذة بمن فيهم كولاكوفسكي. وبعد ذاك وعلى أثر سحق انتفاضة الربيع في تشيكوسلوفاكيا المجاورة، اعتقلت السلطات منظّمي الاعتراضات والعرائض ضد الغزو السوفييتيّ وجاءوا بهم إلى المحكمة. وفي مسلسل طويل من المحاكمات خلال 1968 و1969، حُكم على طلاب ومثقّفين بالسجن مدداً تتراوح بين 6 أشهر و3 سنوات لـ"المشاركة في منظّمات سرّيّة" وتوزيع "منشورات مناهضة للدولة" و"جرائم" أخرى. وخلال 67-1969، اعتُقل وطُرد عدد من الطلبة والأساتذة ذوي الأصول اليهوديّة يفوق كثيراً نسبتهم في المجتمع، وهذا لم يكن بلا دلالة. فاللاساميّة منذ وفاة ستالين حتّى 1967 ظلّت خارج النبرة الشيوعيّة الرسميّة. إلاّ أن حرب 1967 العربيّة- الإسرائيليّة وفّرت لها مناسبة الانتقال من نقد إسرائيل المبرّر إلى نقد اليهود. وهكذا، ففي خطاب شهير ألقي في 19 يونيو، مديناً من دعموا إسرائيل في الحرب، سمّى غومولكا اليهود بالطابور الخامس. وهكذا أعيد الاعتبار لأسوأ عادات الاستبداد الأوروبيّ في جعله اليهود كبش محرقة الفشل السياسيّ والاقتصاديّ. وفي الأحوال كافّة، انطلقت موجة تمييز ضدّهم في البلد كلّه، ولكنْ خصوصاً في الحزب والمؤسّسات التعليميّة، ونشر موظّفو الحزب خرافة مؤدّاها أن الإخفاقات الاقتصاديّة والمشاكل الأخرى من صنع الشيوعيّين اليهود. وسريعاً ما انتشرت المقارنات بين شيوعيّين جيّدين تؤرّقهم المصالح الوطنيّة لبولندا وشيوعيّين يهود يكمن ولاؤهم للخارج. واستمرّت في 1968 موجة طرد اليهود من وظائفهم و"إغرائهم" بمغادرة البلد. فمن أصل 30 ألف يهوديّ هاجر 20 ألفاً خلال 68-1969. ولئن استفادت إسرائيل من ذلك، فقد استفاد أيضاً الشيوعيّون الذين حلّوا محلّ اليهود في المناصب الحزبيّة والحكوميّة. أمّا الخاسرون، فضلاً عن يهود بولندا، فكان المؤسّسات التعليميّة التي فقدت بعض رموزها بمن فيهم كولاكوفسكي (لم يكن يهوديّاً لكنْ متزوج من يهوديّة)، كما لُطّخت صورة بولندا في العالم. وفي الخلاصة، نشأت السهولة النسبيّة التي مكّنت حكّام بولندا من عزل وتدمير الاحتجاجات الطلابيّة عن النجاح في فصل الطلبة عن باقي الأمّة، وربّما كان للطلبة بعض المسؤوليّة عن ذلك: فهم ركّزوا على حريّة التعبير والحقوق السياسيّة ولم يُبدوا أيّ اكتراث بالهموم المعيشيّة للشعب العامل، الأمر الذي استخدمه ستالينيّو السلطة على أوسع نطاق تشهيراً بالحركة. لكن درس تلك التجربة، الذي استفيد منه لاحقاً، أن التغيير يستدعي ردم الهوّة بين هموم العمّال والمثقّفين والطلبة وإقامة تحالف سياسيّ بينهم. ولم يكن بلا دلالة أن جاسيك كورون وأدم ميشنيك كانا في طليعة من وعوا هذا الدرس!