تسيل الدماء العربية والإسلامية كل يوم، دماء المقاتلين ودماء الأبرياء على حد سواء. ويدور القتال بين الفرقاء بعد أن يصبحوا أعداءً. فلم يعد هناك فرق بين العدو والصديق. قد ينقلب العدو إلى صديق، والصديق إلى عدو، بين عشية وضحاها. وبدلاً من أن توجه البنادق إلى أعداء اليوم توجه إلى أصدقاء الأمس. وتتفتت الجبهات إلى جماعات متناحرة فيما بينها، بينما يقوى العدو الخارجي ويتوحد. هذا ما يحدث في فلسطين والصومال والسودان والعراق وأفغانستان وباكستان والمغرب والجزائر واليمن ولبنان أحياناً. ويخسر الجميع وحدة الأوطان، ويكسب العدو وحدة قواه. ومع هذا، فالاختلاف طبيعي في البشر، في اللغات والأجناس والثقافات والعادات والتقاليد. ولذلك نشأت الشعوب والقوميات والمنظمات الدولية للتنسيق بينها. والاختلاف واقع في الطبيعة وتتعدد مستوياتها، جماد ونبات وحيوان، وألوان وأحجام وكيفيات. وهذا التنوع هو سبب جمالها وثرائها. والاختلاف في التاريخ تتعدد مراحله، وتتغير أزمانه وعصوره، ويتراوح بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهناك الاختلاف الفكري في الرؤى والمذاهب، والخلاف السياسي في الأيديولوجيات وفي المصالح. والأخطر هو الخلاف العشائري والطائفي والمذهبي والديني الذي يؤدي إلى تفتت الدول، وهو ما يحاك للوطن العربي حالياً حتى يبقى "الاستعمار الجديد" مهما تعددت أسماؤه، العولمة، العالم ذو القطب الواحد، عصر الاتصالات، وحتى تبقى الصهيونية العالمية، وحتى تكون الصراعات هي المستقبل الوحيد للأوطان المجزأة المفتتة في دول الجوار وما بعدها. والخلاف غير الاختلاف. الخلاف هو الجانب السلبي للخلاف عندما ينتقل الخلاف في الرأي إلى اختلاف في الوجود، أي الاستبعاد المتبادل. فبعد عدم قبول الرأي الآخر يُنفى وجود صاحبه، انتقالًا من الرأي إلى الوجود. فلا الرأي مقبول ولا صاحبه له حق الوجود. الرأي الآخر يُـمنع، وصاحبه يُقتل أو يُطرد خارج البلاد. فلا يوجد إلا رأي واحد ولا يوجد إلا وجود واحد، وهو صاحب هذا الرأي. فالنظر يتحول إلى عمل، والاختلاف إلى اقتتال. الاختلاف يؤدي إلى الصراع والاقتتال والحرب الأهلية، والخلاف مجرد وجهات نظر متباينة، حلها الحوار الوطني وتبادل الرأي، والاجتماع على الحد الأدنى من الوفاق الوطني، والوصول إلى الحلول الوسطى التي تجمع كل الأطراف المتباينة دون التنازل عن المواقف المبدئية، بل حفاظاً على الواقع العملي والسير تدريجياً لتحقيق أكبر قدر ممكن من الوفاق الوطني الذي يحدد الواقع مداه وسرعته وأولوياته. حل الخلاف في الائتلاف الوطني أو الجبهة الوطنية ليس بالضرورة طبقاً للتمثيل العددي لكل رأي، بل طبقاً للحضور الكيفي. فالأكثرية ليست معياراً للحق. الاختلاف ليس جريمة تستحق القتل. ومَن يقتل مَن؟ والآراء كلها وجهات نظر على المستوى نفسه من الشرعية. فالحق متعدد، والكل مصيب طبقاً لمدرسة المصوِّبة القديمة. والحقيقة وجهة نظر. والنص خاضع للتأويل، وإجماع العصر السابق ليس ملزماً لهذا العصر؛ لأن المصالح متغيرة بتغير الأزمان. والاجتهاد بطبيعته متعدد. وكل مجتهد مصيب. إنما يرجع السبب في التحول من الاختلاف إلى الاقتتال إلى تراث يخطّئ المجتهدين، ويمنع التأويل، ويقع في المعنى الظاهر الحرفي للنص، ويقدس إجماع السابقين، ويجعل الصواب واحداً وباقي الاجتهادات خاطئاً. هو تراث "الفرقة الناجية". هي المظاهر السلبية لفهم البعض للتوحيد مع أن الوحدة والتنوع قطبان للحقيقة، الوحدة من جانب المثال، والتعدد من جانب الواقع. هو التراث الذي يحكم بقتل المرتدين والمخالفين ومن قد تعتبرهم "الفرقة الناجية" كذلك. إن المخالفة في الرأي ليست حراماً، بل إن قتل المخالفين أو تكفيرهم هو الحرام. والحفاظ على الحياة هو مقصد الشريعة الأول، بل إن القصاص نفسه، قتل القاتل، لا يتم إلا بعد رفض ولي القتيل العفو عن القاتل حفاظاً على الحياة، فمجموع الخطأين لا يكوّن صواباً. وقتل القاتل لا يحيي المقتول بل يزيده قتيلاً ثانياً. وكلاهما إزهاق للروح. وليس القتل فقط للمقتتلين بل أيضاً للضحايا الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ. وينزح الملايين من المدنيين من مواقع الاقتتال، يأوون في الخيام، وتطعمهم هيئات الإغاثة في الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الإنسانية. تقتتل "فتح" و"حماس" في فلسطين. وكأنه لا يهم مَن يقتل مَن، بل كأن ما يهم هو إزهاق الروح بصرف النظر عن نسبة صاحبها إلى أي طرف من المقاتلين. و"حماس" و"فتح" وجهتا نظر، المثال والواقع، ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، الرمح الذي يهاجم والدرع التي تدافع. كلاهما صحيح. يتحاوران من أجل ائتلاف وطني يأخذ وجهتي النظر بعين الاعتبار. فالنضال يحتاج إلى كليهما معاً. وفي السودان، الخرطوم ودارفور، كلاهما على حق، الخرطوم دفاعاً عن وحدة البلاد ومنع تدخل الأعداء. ودارفور على حق في مطالبتها بالمساواة في السلطة والثروة مثل اتفاق الشمال والجنوب. والوطن بأكمله مسؤول عن ملايين النازحين والجائعين والعطشى والمشردين والمرضى والمغتصبات من النساء. وفي الصومال كل رفاق الأمس أعداء اليوم يقتتلون لـ"تطبيق الشريعة الإسلامية"، التي تقوم قبل كل شيء على الحفاظ على الحياة، مرة يقاتلون لطرد الأجنبي الذي يحتل البلاد، ومرة أخرى يقاتلون لاستجداء الأجنبي لمساعدتهم لدحر الفريق الآخر. والصومال موزع بين نموذجين، الأول الزعيم القوي القادر على توحيد البلاد، وهو النموذج القديم، أو الزعامات المتعددة والديمقراطية العددية التي تحول الاختلاف إلى اقتتال. ويختلف العراقيون في الرأي حول مدى السلطة المركزية والسلطات المحلية والتركيبة الطائفية للبلاد وعلى التعاون مع دول الجوار. ويتحول الاختلاف إلى اقتتال بين سُنة وشيعة وأكراد... إلخ. وفي كل الأحوال، يموت الأبرياء في الأسواق بتفجير العربات المفخخة. وبدلاً من أن تتوجه البنادق كلها إلى العدو الخارجي المحتل يتوجه الكثير منها إلى الداخل استباقاً على السلطة والسيطرة على البلاد، كل فريق بمفرده. ويصبح النضال البطولي لشعب العراق ضد الاحتلال موضع تساؤل: أين العدو؟ في الداخل أم في الخارج؟ وفي المغرب الشقيق، مازال الخلاف حول الصحراء، بين الوطن الأم وجزء جنوبي منه قد يحكمه السلاح والقتال لولا التهدئة بين الحين والآخر بتدخل الوسيط الأجنبي في غياب الوسيط العربي. وبين الوحدة الوطنية الاندماجية الشاملة والتجزئة هناك الحكم الذاتي كحل وسط بين الفريقين. وفي اليمن، يستحيل القضاء على وحدته بانفصال الجنوب باسم سيطرة الشمال، ويستحيل أن يسيطر الشمال على الجنوب باسم الوحدة، ولا يبقى إلا الدولة الديمقراطية التي يتساوى فيها جميع المواطنين في الشمال والجنوب. وفي أفغانستان وباكستان ينبغي الائتلاف الوطني بدلاً من الاقتتال بين وجهتين من النظر كلتاهما ترى نفسها شرعية، المحافظة التقليدية والحداثة المعاصرة، بدلاً من استقواء أحد الطرفين بالأجنبي ضد الطرف الآخر وملايين الضحايا والنازحين من الأطفال والنساء والمدنيين في الخيام. وقد انتهى لبنان من الاقتتال في الحرب الأهلية وعاد إلى الائتلاف الوطني وحقن الدماء. وقد لا يعني كل ذلك بالضرورة أي تنازل عن المبادئ من كلا الطرفين أو خيانة أو رضوخاً أو استسلاماً أو حتى توسطاً أو توفيقاً، بل يعني الاعتراف بأن الحقيقة في الحياة وجهة نظر، وتتساوى وجهات النظر جميعها. لا يستبعد بعضها بعضاً بل ينبغي أن تتكامل حفاظاً على وحدة الأوطان.