الواقعة التي تحدّثت عنها الصحف المحلية، مؤخراً، وتشير إلى أن د. حنيف حسن، وزير الصحة، وخلال إحدى الجولات الميدانيّة التي قام بها للوقوف على واقع الحال في المستشفيات والمراكز الصحية التابعة للوزارة، فوجئ بعامل نظافة يستقبل المرضى في قسم الحوادث بأحد المستشفيات، تكشف بوضوح عن وجود بعض التجاوزات في المستشفيات الحكومية والخاصة تشوّه الإنجازات التي تحققت في مجال الرعاية الصحية بالدولة. وتعامل الوزير مع هذه الحادثة كان إيجابياً وسريعاً وحاسماً، حيث وجّه على الفور باستبداله بشخص مؤهّل ومدرّب للقيام بهذا الدور، ولم يكتفِ الوزير بذلك، بل أمر بمراجعة جميع أقسام الاستقبال في مستشفيات الوزارة، وتوفير أشخاص على مستوى عالٍ من التدريب والمهارة للعمل في هذه الأقسام؛ بحيث يجيدون التحدّث باللغتين العربية والإنجليزية للتعامل مع مختلف الجنسيات التي تتردّد على أقسام الاستقبال في المستشفيات، كما شدّد على أهمية المتابعة الميدانية، باعتبارها واجباً على كل مسؤول في كل موقع، بحيث تصدر القرارات ملبية لاحتياجات المكان أو المؤسسة، ومناسبة لظروف العمل وطبيعته. وهذه الواقعة، والتعاطي معها من جانب الوزير، وإن كانا يوضّحان مدى الحاجة إلى الاستمرار في جهود تنمية مستوى الرعاية الصحيّة في الدولة، وحجم التحدّيات التي تنتظر القائمين على هذا الجانب، فإنهما يسلّطان الضوء على واقع التجاوزات والمخالفات التي تشهدها بعض المستشفيات الحكوميّة، والعديد من المستشفيات الخاصة، حيث كثرت الشكاوى في الآونة الأخيرة من مبالغة العديد من المستشفيات الخاصّة في تشخيص حالات المرضى، ومطالبتهم بإجراء العديد من الفحوص وإجراء صور الأشعة، حتى ولو كانوا يعانون أعراضاً بسيطة لا تتطلّب القيام بهذه الإجراءات، ناهيك عن ارتفاع الأسعار فيها بصورة لافتة للنظر. وإذا كانت المخالفات السابقة تهدف إلى تحقيق الربح الماليّ، فإن القائمة تتّسع لأنواع مختلفة من المخالفات أكثر جسامة وخطورة تتعلّق بصحة أفراد المجتمع، كلجوء بعض العيادات الخاصة إلى أساليب وحيل لسد العجز في أعداد الممرّضات الذي تعانيه، ولو بشكل "صوري"، حيث تلزم موظفات الاستقبال بارتداء الزي الأبيض و"التشبّه" بالممرضات أمام المرضى والمراجعين، وذلك لإيهامهم بأنه لا يوجد أيّ نقص لديها؛ وهذا بلاشكّ، فوق أنه يثير الشك والارتياب في أداء هذه العيادات، فإنه يعدّ مخالفة جسيمة يجب عدم السكوت عنها، ولاسيما أنها تمسّ حياة المرضى الذين قد يتعرضون إلى مضاعفات خطرة نتيجة أيّ خطأ مهني. إن المخالفات الطبيّة التي ترتكبها بعض المستشفيات تنال من الجهود الكبيرة التي تبذلها الدولة في مجال الارتقاء بالصحة، ورفع مستوى الخدمات الصحية، وتقدم صورة مشوّهة عن قطاع الصحة في الدولة يمكن أن تكون لها نتائج سلبية على أكثر من مستوى، خاصة فيما يتعلّق بالسياحة، وهذا يجعل من التصدي للمخالفين والمتاجرين أولويّة قصوى. إذا كان تعامل الوزير مع الواقعة المذكورة يجسّد اهتمام الحكومة بالارتقاء بالرعاية الصحية وتطويرها، وينسجم مع الاهتمام الذي توليه الدولة للقطاع الصحي، بما يمثله من أهمية خاصة في البرامج التنموية الوطنية باعتباره يتصل بالإنسان الذي يعدّ أغلى الموارد الوطنية، فإن الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في مجال الرعاية الصحية، يتطلّب أولا، تغليظ العقوبات على أيّ مخالفات من جانب مستشفيات القطاعين العام والخاص، بحيث تشكّل رادعاً مهماً لوقف هذه المخالفات، ووضع حدّ نهائي لها. وثانياً، تفعيل الرقابة الميدانية على أداء هذه المستشفيات، بما يضمن الحفاظ على مستوى معيّن من الجودة والنوعية في الخدمات الصحية التي تقدمها إلى أفراد المجتمع. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية