في يوم الجمعة الموافق العاشر من شهر يوليو الجاري اختتمت مجموعة الدول الثماني الكبرى قمتها السنوية في ضاحية لاكويلا الإيطالية. بيد أن هذا المنبر الدولي المؤلف من ثماني دول صناعية متقدمة فحسب، والذي ينفرد بمناقشة أخطر وأعقد التحديات التي تواجه البشرية وكوكب الأرض كله، بدا قد فات عليه الأوان في نظر كثير من المراقبين. فبالإضافة إلى التكلفة الباهظة التي يتطلبها عقد الاجتماع السنوي للمجموعة -تكلفة استقبال المؤتمرين وإسكانهم وتنقلاتهم وتوفير الأمن اللازم لهم ولاجتماعاتهم، إلى جانب تكلفة الوجبات الفاخرة التي يتناولونها... وهو ما يزيد على نصف المليون دولار سنوياً- بدا واضحاً الآن أنه ليس في وسع هذه المجموعة الصغيرة من الدول أن تنفرد وحدها بالتصدي الناجع للمشكلات التي تهم الكوكب والبشرية قاطبة، دون مشاركة بقية الدول الأخرى التي تعنيها هذه المشكلات. وربما للسبب نفسه تم تمثيل ما يصل إلى نحو 40 دولة من مختلف أنحاء العالم في مستويات متباينة من انعقاد مؤتمر لاكويلا الأخير. لكن السؤال المثار الآن هو ما إذا كان قد حان الوقت لتفكيك مجموعة الثماني الكبار الحالية وإحلال محلها مجموعة أكبر حجماً وتمثيلا لدول العالم، مثل مجموعة الـ20 التي يتوقع انعقادها في مدينة بطرسبرج في شهر سبتمبر المقبل؟ كانت مجموعة الثماني الكبرى قد نشأت في الأصل بمشاركة ست دول صناعية كبرى هي: فرنسا، إيطاليا، المملكة المتحدة، اليابان، والولايات المتحدة الأميركية، وذلك في عام 1975. ثم انضمت إليها كندا بعد مضي عامين على إنشائها. وعلى سبيل إظهار حسن النوايا وتحسين العلاقات مع روسيا بوريس يلتسين، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وُجهت دعوة إلى روسيا للانضمام إلى المجموعة بعد مضي 20 عاماً على إنشائها. غير أن موسكو كثيراً ما بدت جسماً غريباً بين دول المنتدى الدولي المذكور، لاسيما خلال عهد الرئيس السابق بوتين، حيث تفاقمت الخلافات بين موسكو والغرب وأصبحت أشد حدة. وفيما بعد أنشئت مجموعة الدول الـ20 في عام 1999 لتضم جميع الأعضاء في قمة الثماني، إضافة إلى قوى دولية اقتصادية جديدة مثل الصين والبرازيل والهند والمملكة العربية السعودية وإندونيسيا والمكسيك. وفيما لو نظر المرء إلى حجم التحديات والمشكلات الملحة التي تواجهها البشرية اليوم وتحتاج منها إلى انتباه واهتمام بالغين: تحديات الأزمة المالية الاقتصادية الحالية، والتي لم يمر العالم بأزمة أسوأ منها منذ الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، النزاعات التجارية بين الدول والخلافات الدائرة داخل منظمة التجارة العالمية، النقص الحاد في الغذاء العالمي وارتفاع أسعار السلع الغذائية وما يترتب عنه من مجاعات في دول العالم الفقيرة، الانتشار الخطير للأوبئة والأمراض الفتاكة في أجزاء واسعة من العالم، مشكلة التغير المناخي وما تعنيه من خطر على البيئة والمجتمعات البشرية التي تعتمد عليها... فإنه من الضروري رفع مستوى التعاون بين دول مجموعة الـ20 فيما لو أرادت البشرية تحقيق تقدم في التصدي لأي من المشكلات التي أشرنا إليها آنفاً. ولنتخذ لأهمية تعاون دول المجموعة الأكبر مثالا واحداً هو: التلوث البيئي العالمي أو التغير المناخي. فما لم توافق دول الاقتصادات الجديدة الناهضة، مثل الصين والهند والبرازيل، على فرض قيود أشد على انبعاثاتها من غاز ثاني أكسيد الكربون، فلن يكون في وسع أي من الجهود التي تبذلها الدول الصناعية الأخرى، التعويض عن الانبعاثات الملوثة الكبيرة التي يفرزها في الغلاف الجوي اقتصاد كل من الصين والهند. وتحاجج الصين والهند بأنهما دخلتا متأخرتين جداً إلى حلبة الإنتاج الصناعي قياساً إلى الدول الصناعية الأخرى التي دخلت الحلبة منذ منتصف القرن العشرين، وبأن الجزء الأكبر من تكلفة تنظيف الغلاف الجوي من الملوثات، تقع على تلك الدول وليس على الصين والهند لأنهما لم تسهما بنصيب كبير في ذلك التلوث. وفي موسم الكساد الاقتصادي العميق هذا، إضافة إلى حزمة التحديات الأخرى التي يواجهها العالم اليوم، من المفهوم ألا تتحمس حتى الدول الغنية الكبرى لإنفاق أموال هائلة على التقنيات النظيفة الصديقة للبيئة، في وقت بلغت فيه معدلات البطالة مستوى قياسياً من الارتفاع المستمر. وللأسباب نفسها تكتسب قمة كوبنهاجن للتغير المناخي، المتوقع انعقادها في شهر ديسمبر المقبل بهدف إحلال بروتوكول دولي جديد محل بروتوكول كيوتو الذي تنتهي مدة سريانه في عام 2012، أهمية كبيرة. وفيما لو فشلت الجهود الرامية إلى وضع مزيد من القيود على انبعاثات الدول من غاز ثاني أكسيد الكربون، فسوف تواصل درجات حرارة الأرض ارتفاعها، ما يعجّل بحدوث الكوارث البيئية المدمرة التي بدأ العلماء التنبؤ بها من الآن. وربما تطلب الأمر حدوث كارثة دولية يتعلم منها الجميع أهمية مستوى التعاون الدولي على حلها. فهناك من يشير مثلا إلى أن الهواجس الدولية إزاء خطر الانتشار النووي سوف تظل مجرد "هواجس" لا أكثر، إلى أن تقع حادثة هجوم إرهابي نووي في منطقة ما من مناطق العالم، أو أن تلجأ دولة ما لاستخدام أسلحتها النووية في أحد النزاعات، قبل أن يهب العالم على قدم واحدة ليتعاون في درء خطر الانتشار النووي. وعندها سوف يتعين على قادة العالم اتخاذ إجراءات مشددة بغية الحد من المخاطر النووية، مع العلم أنه سوف يكون الوقت الملائم جداً لحصولهم على الدعم السياسي الدولي اللازم لاتخاذ تلك الإجراءات. كما يجب الأخذ في الاعتبار بنفوذ وقوة الدول الصناعية الجديدة الناهضة، فضلا عن ضرورة الأخذ بمشاركة الدول العربية الغنية بالنفط في أي جهود أو سياسات راشدة تستهدف: الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات الملوثة للغلاف الجوي والمسببة لخطر التغير المناخي، وتحقيق الاستقرار المنشود للأسواق العالمية، والحد من خطر الانتشار النووي، فضلا عن توفير ضمانات أمن الطاقة العالمية. وليدرك قادة العالم أنه لا بديل لتوسيع التعاون الدولي من أجل حل هذه المشكلات والتصدي الناجع لها، سوى الفوضى والخراب.