على أهمية الدور المركزي الذي لعبته الفصائل والقوى السياسية في "منظمة التحرير الفلسطينية" في توحيد المجتمع الفلسطيني (سياسياً في الأغلب الأعم)، فإن معظمها لعبت في أحيان أخرى دوراً تفتيتياً، بحكم ما اصطلح على تسميته العقلية الإقصائية أو التهميشية والتوجهات "الفصائلية الضيقة" ذات المردود السلبي، ناهيك عن اعتبارات السيطرة السياسية! فبالإضافة إلى الانقسامات والانشقاقات التي أصابت جميع التنظيمات، غالباً بتشجيع خارجي من دول وفصائل أخرى ذات مصلحة، شكل غياب الديمقراطية وعدم احترام التعددية الفكرية داخل التنظيم الواحد، سبباً من أسباب الانشقاق أو الانقسام، فضلا عن ظاهرة الفئوية السياسية، حيث تعمق الولاء للتنظيم و"تفوق" أحياناً على الولاء للوطن أو القضية. هكذا، انتهينا إلى حالة جعلت عددا من فصائل الأمس "فسائل" لا جماهير لديها ولا أعضاء! وبعبارة أوضح نقول: في البدء كانت الفصائل الحقيقية المناضلة. وفي حين حافظ بعضها على نفسه، تحول البعض الآخر إلى فسائل! وفي طريق تحولها إلى فسائل، عانت الفصائل الأم من حالة "ضعف المناعة" ومن ثم فقدان القدرة على معالجة الاختلافات الداخلية، بحيث انتهى الأمر إلى تغلب عوامل الافتراق على التلاقي، رغم أنه لم يُبرأ فصيل واحد من الأخطاء والأزمات والمنازعات الداخلية. وفي الوقت ذاته، اختلطت الظواهر السلبية بتدخلات أطراف محلية وإقليمية ودولية أثرت على خيارات الفصائل والتحديات التي تواجهها، وكثيراً ما لعبت هذه التدخلات دوراً سلبياً. لكن أكثر ما يلاحظ فيما صاحب الفصائل- الفسائل من سلبيات في مسيرتها: ما يتعلق بقضايا جماهيريتها وجمود (بل تناقض) عضويتها، ناهيك عن ضعف الأداء القيادي (وبخاصة في موضوعي الديمقراطية وصناعة القرار)، والعلاقة بالفصائل والقوى الفلسطينية الأخرى، إضافة إلى أنماط التحالف مع القوى الإقليمية والدولية. وهذه، بالمناسبة، هي الهموم المطروحة على مجمل حركة التحرر الوطني الفلسطيني والتي تدور في أفلاك ثلاثة أبعاد: أولها البعد الأيديولوجي السياسي، وثانيها البعد الديمقراطي وما يدعى بعمليات الإصلاح السياسي، وثالثها البعد المتعلق بأهداف الفصيل ووسائله. وها قد مات اتفاق "أوسلو" تاركاً لنا فصائل وفسائل "منتهية الصلاحية". ثم إن المتاهة السياسية المحيرة التي تعيشها هذه "التنظيمات" كلها أثرت سلباً على الرأي العام العربي والدولي، بحيث تراجع الاهتمام بقضية فلسطين، وفقد التضامن مع القضية زخمه. هذا الواقع البائس جعل من كل طرح فلسطيني (كحوار وطني، تشكيل حكومة وطنية، إعادة بناء منظمة التحرير... إلخ) نكتة سوداء بات يستحي الشعب الفلسطيني من تكرارها. هكذا، ببساطة جارحة، تغير الكثير الآن. فبعد أن شغلت القضية الفلسطينية مكان الصدارة في مختلف وسائل الإعلام على امتداد القرن الماضي ومطلع القرن الحالي بفضل عدالة القضية، وبعد أن كان الجهد ينصب تجاه تغيير صورة الفلسطيني في الغرب، ها نحن نكاد نخسر العرب أيضاً. بل إن ما سعينا لتغييره من سلبيات ونواقص في الفكر الغربي، بات هو الغالب في الفكر العربي. وبصراحة، لولا بروز "ظاهرة أوباما" ولغته الجديدة مع بعض المواقف الجديدة (نتمنى أن تعبر من ضفة الكلام إلى ضفة الفعل)، لكانت مركزية القضية قد تلاشت ولأصبح حالها مثل حال فسائلها! ما يدهش حتى الضالعين في "علم الفصائل" أن معظم خطابها، لاسيما خطاب الفسائل، لا يتجاوز كونه خطاب نوايا ووعودا مسائية يمحوها فجر الصباح، تؤكد فشلها الذريع فى التعامل الجاد مع أي تحد كبير، سواء كان داخلياً أم خارجياً، لأنها ببساطة لم تسع، كما هو مطلوب، للتجانس، ولا نقول التطابق، فيما بينها بقدر ما تسعى إلى تسويق خطاب إعلامي ذاتي تعيس ورخيص. ومعظم هذه "الفصائل" قد فقدت وجودها الفعلي ودورها المؤثر. وبات من الممكن القول اليوم إن معظم النخب السياسية الفلسطينية شاركت في صنع المأساة بما ارتكبته من حماقات، الأمر الذي يثير ضرورة التمييز بين الفلسطيني العادي ساكن المخيمات أو غيرها والواقف على المعابر من أجل فرصة للعمل في إسرائيل أو من أجل الطعام والدواء في مصر... وبين تلك الفسائل المترفة أو المتاجرة بمأساة الفلسطيني العادي. بعدما "مات" اتفاق أوسلو (وهذا ما كنا قد كتبنا عنه مراراً وتكراراً) مخلفاً وراءه إساءات لكل ما هو جميل وعظيم في التجربة الفلسطينية، أصبحت الأراضي الفلسطينية المحتلة مجزأة ومحاصرة. وفي الوقت ذاته، ازدادت المستعمرات -"المستوطنات" بشكل مخيف ومرعب، وتوسعت وصارت طرقها الالتفافية (مع جدار الفصل العنصري) تأكل الأخضر واليابس، مثلما توسعت وتسرعت عملية الاستيلاء على القدس وتهويدها بشكل أسرع مما كان عليه الحال قبل الاتفاق. والغريب العجيب أنه، رغم كل ذلك، لا تزال بعض "الشخصيات" الفلسطينية تكثر الحديث عن السلام السريع القادم (!!) وعن الشرعية الدولية قيد التحقق (!!) وعن التطرف والإرهاب (مستعيرين من الخطاب الصهيوني!) وعن ضرورة إحياء منظمة التحرير وإشراك فصائلها! هذه بعض جوانب "بركات" أوسلو بشقه السلبي، الذي أنتج العديد من المنتفعين والمتسلقين من كل الألوان السياسية الفلسطينية، بدءاً من سارقي تاريخ وتجربة الحركات النضالية العريقة وغيرها من الفصائل الأساسية، وليس انتهاءً بأصحاب دكاكين شراذم فصائل - فسائل "الكفاح" الفلسطيني. هؤلاء الذين بقوا بعد تلاشي اتفاق أوسلو عملياً وترسخ نتائجه السلبية (أكثر من الإيجابية وبما لا يقارن) على الأرض، نجدهم الآن يتحدثون أيضاً بنبرة عالية وبـ "حماسة شديدة" عن "قوة" منظمة التحرير وعن "جبروت السلطة الوطنية الفلسطينية"! ونتساءل: أين هم الآن القادة الفلسطينيون الذين كانوا فيما مضى يسابقون الريح ويقفزون فوق ما يلقى في دربهم من كمائن وأفخاخ؟ بل أين هم أولئك القادة العمالقة الذين يحلمون بالحرية والنصر، والمسكونون بالإنسان الفلسطيني والأرض الفلسطينية؟! هذا، مقابل تزايد الأحاديث بل المخاوف عن بدء عملية إنهاء "فتح" بدوافع وأيدٍ عربية وبروافع وأيدٍ ذاتية، ناهيك عن تكبيل وربما حرف "حماس" بقوة روافع ناجمة عن دوافع عربية ودولية، وبدء، أو بالأحرى استكمال "تلاشي" اليسار بدوافع دولية وعربية وذاتية. والمفجع أن كل هذا يحدث، فيما هم جميعاً في حالة صراع متواصل على أشياء مبهمة، ولا حوار حقيقيا ولا مصالحة منشودة، في ظل غياب نتائج للمفاوضات العبثية مع الإسرائيليين. هذا جزء بارز من المشهد الفلسطيني الذي يراه الآخر والذي ترفض بعض قياداتنا رؤيته والتصرف الوطني المسؤول على أساسه. وهنا، بالضبط، تظهر عدم مشروعية السؤال: هل تغير الشعب الفلسطيني ولم يعد شعباً مكافحاً متلاحماً متراصاً، يغلي حماسة وغيرة وطنية؟! وهنا، بالتحديد، تظهر مشروعية السؤال: هل تغيرت الفصائل (الفسائل) الفلسطينية ولم تعد تنظيمات جماهيرية مكافحة؟ وهل باتت تفتقد إلى الحماسة والغيرة الوطنيتين؟ وحتى يتغير الحال، لتهنأ إسرائيل.. ولا عزاء للشعب الفلسطيني.