ذات يوم قال"إيرنيست بيفين" وزير الخارجية البريطاني في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية للزعيم الصهيوني "بن جوريون" إن وعد بلفور الذي أصدرته بريطانيا عام 1917 كان أكبر خطأ ارتكبته الدبلوماسية الغربية في النصف الأول من القرن العشرين، وأنه يمثل، حتى من المنظور الاستراتيجي لبريطانيا، خطأً فادحاً لأنه ألزمها بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بينما لم يكن اليهود يشكلون أكثر من 10 في المئة من إجمالي السكان، وهو ما مهد الطريق لقيام دولة إسرائيل، وأشعل أعنف صراع في العصر الحديث". ويقول "جفري لويس" مؤلف كتاب "بلفور ووايزمان: الصهيوني والمتعصب القومي ونشوء إسرائيل"، إن قصة وعد بلفور من القصص التي رويت عدداً لا يحصى من المرات، وأنه لهذا اختار أن يركز فحسب على الجزء الذي يتضمن الدور الذي لعبته الشخصيتان الرئيسيتان في ذلك الوعد، وهما "آرثر بلفور" و "حاييم وايزمان". يصف "لويس" وزير الخارجية بلفور بقوله: "عند النظرة الأولى، لم يكن بلفور يبدو وكأنه من ذلك النوع من الرجال القادر على هز الساكن، وتحريك الأمور، وهو ما يرجع إلى نشأته الاستقراطية، ونمط حياته الهادئ المترف، مع ما كان يتسم به من مسحة فلسفية تغلف تفكيره ومظهره، لدرجة أنه كان هناك قول سائد في ذلك الزمن وهو: إذا كنت تريد لشيء ما ألا ينجز فعليك إعطاءه لبلفور". لكن بلفور كان رغم ذلك من المؤمنين إيماناً قوياً أن قضية الوطن القومي لليهود قضية استثنائية يجب إعطاؤها الأولوية على أي شيء آخر، حتى لو كان هذا الشيء هو شوق العرب إلى الاستقلال، وحقهم في الحكم الذاتي، وهو ما كانوا يأملون أن تساعدهم بريطانيا في الحصول عليه، كمكافأة لهم على ما قاموا به من أدوار حاسمة في مساعدة الجيوش البريطانية ضد القوات التركية. وكان بلفور يرى أنه ليس هناك ما يلزمه بمراعاة مشاعر سكان فلسطين، وأن هناك جذوراً مشتركة عميقة بين اليهودية والمسيحية، وأن هذه الجذور ذات أهمية تفوق بكثير رغبات السكان العرب الذين كانوا يعيشون في تلك الأرض القديمة. أما الرجل الآخر في قصة ذلك الوعد، وهو المتعصب القومي "وايزمان"، فكان يعمل محاضراً لمادة الكيمياء في جامعة مانشستر، وكان رجلا من طراز آخر: كان دبلوماسياً محنكاً، ومدافعاً مفوهاً عن الصهيونية، ورجلا قوي الحجة، لدرجة أنه نجح في إقناع العديد من المسؤولين والشخصيات السياسية البريطانية بالقضية الصهيونية. وكما يرد في الكتاب فإن الوثائق التاريخية تشير إلى أن أول لقاء بين بلفور ووايزمان كان في عام1906 أي بعد ثلاث سنوات من رفض الحركة الصهيونية لعرض قُدم لهم بإنشاء وطن قومي في أوغندا. ورغم أن اللقاء بين الرجلين قد استغرق وقتاً لم يزد عن الساعة، فإنه وضع البذور الأولى للوعد الذي صدر بعد 11 عاماً من تاريخ هـذا اللقاء. وخلال ذلك اللقاء المشهود، أبدى "بلفور" استغرابة من رفض اليهود الروس للعرض المتعلق بأوغندا، وإصرارهم على أن يكون ذلك الوطن في القدس تحديداً. واحتد الجدل بين الرجلين، وأبدى "بلفور" عدم اقتناعه بوجهة نظر وايزمان، قبل أن يقول له الأخير: "ماذا تفعل لو عرض عليك أن تكون باريس هي مدينتك وليس لندن؟"، فرد بلفور:" دكتور وايزمان، لكننا نمتلك لندن بالفعل"، فعاد وايزمان المفوه وقوي الحجة ليقول له: "ونحن كنا نعيش في القدس عندما كانت لندن لا تزال عبارة عن مستنقعات". وعندما سأله بلفور عما إذا كان هناك من بين اليهود من يقتنع بهذا الرأي، رد عليه وايزمان بقوله إن رأيه هذا يعبر عما يفكر فيه ملايين اليهود في أنحاء العالم. مما دفع وزير الخارجية البريطانية إلى إبداء استغرابه من ذلك لأنه، كما قال، سبق وأن تبادل النقاش مع كثير من اليهود وكانوا يرون غير ما يراه وايزمان. فرد الأخير بأنه ربما قابل النوع الخطأ من اليهود. لم يكن وايزمان صادقاً فيما قاله، لكن أسلوبه في النقاش، وقوة حجته، كانا السبب في إلجام الوزير البريطاني. لقد كانت الحقيقة هي أن معظم اليهود البريطانيين لم يكونوا يؤيدون فكرة الحصول على وطن قومي في فلسطين. ومن أبرز هؤلاء "إدموند مانتاجو" الذي كان يرفض فكرة أن اليهود يشكلون أمة متجانسة، وكان يرى أن إنشاء وطن قومي لهم في فلسطين سوف يقوض نضالهم العادل من أجل الحصول على حقوق متساوية في البلدان التي يعيشون فيها. هذه الرؤية بالطبع كانت مختلفة عن رؤية وايزمان الذي كان يؤمن بأن اليهود أمة ترتبط بطريقة فريدة بروابط التاريخ والجغرافيا والعرق والدين. ونقرأ في الكتاب أيضا أن رفض وايزمان للقبول بأوغندا، وإصراره العنيد على فلسطين، جعل بلفور يرضخ في النهاية ويوافق على إصدار ذلك الوعد الذي عرف باسمه والذي لعب دوراً خطيراً وحاسماً في تغيير مسار الشرق الأوسط إلى الأبد. سعيد كامل الكتاب: بلفور ووايزمان: الصهيوني والمتعصب القومي ونشوء إسرائيل المؤلف: جفري لويس الناشر: كونتينيوم آند هامبلدون تاريخ النشر: 2009