حدثان متزامنان سيكون لهما شأن كبير في إحداث نقلة نوعية في العلاقات الاقتصادية والتجارية لدول مجلس التعاون الخليجي، أما الأول فهو صدور مرسوم صاحب السمو رئيس الدولة بتأسيس شركة الاتحاد للقطارات، وأما الثاني فيختص بإقامة شبكة للقطارات تربط دول مجلس التعاون بأوروبا عن طريق تركيا، وهو الاقتراح الذي تم تداوله أثناء اجتماع وزراء خارجية دول التعاون مع نظيرهم التركي في أنقرة نهاية الأسبوع الماضي. وأهمية هذا الموضوع تكمن في تكلفة النقل في دول الخليج، التي تعتبر الأعلى في العالم لاعتمادها على الطرق البرية للشاحنات بصورة كبيرة، والتي تضاعفت مع تضاعف أسعار النفط، مما أدى إلى زيادة تكلفة الشحن في دول المجلس وخفض من قدرة السلع الخليجية على المنافسة في الأسواق العالمية. ولذلك جاء القرار الإماراتي ليشكل مخرجاً لوجستياً مهماً لربط إمارات الدولة، بما في ذلك المناطق الصناعية، بموانئ ومنافذ التصدير، وهو مما يشجع على الإسراع في تنفيذ شبكة القطارات الخليجية التي لا زالت قيد البحث منذ فترة طويلة في أروقة الأمانة العامة لدول المجلس. والحال أن ترابط الاقتصادات الخليجية وقيام السوق المشتركة أدى إلى تنشيط حركة التبادل التجاري في السنوات القليلة الماضية، سواء بين دول المجلس أو بينها وبين العالم الخارجي، إلا أن وسائل النقل تطورت بصورة كمية استوعبت النشاط المتزايد، في حين بقيت بوسائلها المعروفة من الناحية النوعية، مما يستوجب القيام بتغييرات لوجستية كبيرة في مجال النقل، وبالأخص الإسراع في إقامة شبكة القطارات الخليجية، فالمنافسة القادمة في الأسواق العالمية تتطلب اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لرفع القدرات التنافسية للسلع الخليجية، وبالأخص تخفيض تكاليف النقل المرتفعة. ومن هنا فإن المبادرة الإماراتية تطرح هذا الموضوع بقوة لتشكل دفعة قوية لإنجاز شبكة سكك الحديد الخليجية، وبالتالي فتح آفاق جديدة للصادرات الخليجية المتنامية التي أصبحت تواجه صعوبات تسويقية في الآونة الأخيرة، سواء من خلال الرسوم الجمركية غير العادلة التي تفرضها بلدان الاتحاد الأوروبي على وارداتها من الألمنيوم والبتروكيماويات الخليجية أو من خلال الإجراءات الحمائية التي بدأت الصين والهند فرضها على وارداتهما من دول المجلس بحجة مقاومة الإغراق بحكم الدعم الذي تلقاه المنتجات الخليجية، علماً بأن هذا الدعم أصبح مشروعاً في ظل عضوية دول المجلس في منظمة التجارة العالمية التي تراقب عن كثب القضايا المتعلقة بالإغراق، وخاصة أن الصين والهند لم تلجآ إلى منظمة التجارة العالمية كما تفعل بلدان العالم، بل اتخذتا إجراء من جانب واحد، مما يعكس ضعف مواقفهما من الصادرات الخليجية. وربما يكون من الصعب محاججة بلدان كبيرة ومهمة، كالاتحاد الأوروبي والصين والهند، إذ إن لديها مبرراتها، إلا أنها تشكل في الوقت نفسه منافذ رئيسية للصادرات الخليجية، مما يعني ضرورة البحث عن مخارج أخرى لدعم هذه الصادرات، حيث تعتبر مسألة تخفيض تكاليف الشحن، أحد أهم هذه المخارج. ومن هنا تأتي أهمية شركة الاتحاد للقطارات وشبكة القطارات الخليجية والمشروع الخليجي التركي، فبالإضافة إلى زيادة القدرة التنافسية للمنتجات الخليجية، فإن تخفيضاً مماثلا سيطال السلع المستوردة من بلدان العالم، وبالأخص من البلدان الأوروبية، ما سيؤدي إلى تخفيض أسعار هذه السلع في أسواق دول مجلس التعاون والحد من معدلات التضخم فيها، وبالأخص التضخم المستورد. وبجانب ذلك، فإن الموانئ والمطارات الخليجية ستشهد ازدهاراً كبيراً من خلال تحولها إلى نقطة عبور مهمة للسلع المتبادلة بين الغرب والشرق بعد ربط دول المجلس بشبكة قطارات مع أوروبا مروراً بتركيا، بل إن دول المجلس ستتحول إلى أهم نقطة عبور تجارية بين قارات العالم. ولاشك أن مشاريع بهذه الأهمية الاستراتيجية تتوفر لها كل أسباب النجاح، سواء المالية والتمويلية أو التقنية، فالموقع الاستراتيجي لدول الخليج يمكن استغلاله بصورة أفضل من خلال تطوير البنى الأساسية واللوجستية، وخصوصاً أن هناك مشاريع كبيرة للبنى الأساسية في دول المجلس من المقرر أن تنجز خلال السنوات القليلة القادمة، مما يتيح إمكانية تكاملها مع المشاريع الإقليمية، ويوفر لها مجتمعة فرص النجاح. وبجانب هذه المردودات الاقتصادية الكبيرة، فإن هناك جوانب بيئية لا تقل أهمية، وتتعلق بإمكانية تخفيض انبعاث الغازات في دول المجلس، التي تعتبر واحدة من أعلى المعدلات في العالم، إذا ما قورنت بحصة الفرد من انبعاث الغازات. إن تنفيذ هذه المشاريع الاستراتيجية يتطلب اتخاذ قرارات على نمط القرار الإماراتي، وتأسيس شركات تأخذ على عاتقها إنجاز شبكات القطارات بالسرعة التي تنمو بها الاقتصادات الخليجية لتشكل دعامة قوية للنمو الاقتصادي في دول المجلس.