تولى الرئيس أوباما رئاسة الولايات المتحدة بعد حملة انتخابية مظفرة كان شعارها هو التغيير. واستجابت الجماهير الأميركية لهذا الشعار بشكل إيجابي فأعطت أصواتها لأوباما، مما جعله يكتسح الانتخابات ويتولى الحكم. وكان وعد بتغيير جوهري في توجهات السياسة الخارجية الأميركية، وخصوصاً فيما يتعلق بالعراق وإيران والصراع العربي/ الإسرائيلي. غير أن السؤال الرئيسي الذي أثارته الدوائر السياسية في مختلف أنحاء العالم هو: ما هي قدرة أوباما في تنفيذ سياساته الجديدة في الداخل والخارج، مع وجود مراكز قوى راسخة في النظام السياسي الأميركي؟ لقد سبق لنا في مقالين سابقين بعنوان "من يحكم أميركا؟" و"نخبة القوة الأميركية"، أن حاولنا تشريح النظام السياسي الأميركي، لنرصد ونحلل مراكز القوى فيه التي عادة ما تتحكم في عملية صنع القرار، وتحد بالتالي من حرية الرئيس الأميركي. وقررنا -بناء على تحليل علمي متكامل- أن هناك ثلاثة مراكز للقوى في الولايات المتحدة وهي نخبة قليلة العدد من السياسيين المحترفين، ورؤساء ومديري الشركات الكبرى والبنوك، وأخيراً جنرالات الجيش. غير أننا أغفلنا في الواقع قوة أخرى لا يستهان بها، وهي قوة الإعلام المقروء والمرئي على حد سواء. والمنابر الإعلامية الأميركية تتوزع في الواقع على محور المحافظة والتقدمية. وهذا الإعلام يتمتع بحرية نسبية تسمح له أحياناً وفي ظروف معينة بأن يلعب دوراً حاسماً في مجرى السياسة الأميركية، كما حدث في قضية "ووترجيت" التي كشف الإعلام عن أسرارها، وأدت في النهاية إلى عزل الرئيس نيكسون. إلا أنه يمكن القول إن الصحف الأميركية الكبرى مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" لها تحيزاتها السياسية، والتي من شأنها أن تقلل من مصداقيتها بحكم عدم عرضها المتوازن للأحداث الدولية. فصحيفة "نيويورك تايمز" -على سبيل المثال- متحيزة تحيزاً مطلقاً للدولة الإسرائيلية، وهي بالتالي تدافع عن سياساتها، ولا تعطي الفلسطينيين حقهم في التغطية الإخبارية الموضوعية لما يقع عليهم من عدوان إسرائيلي، بالإضافة إلى انحراف التحليلات السياسية التي تنشرها. وصحيفة "واشنطن بوست" -كمثال آخر على التحيز الإعلامي- تتبنى موقفاً معادياً للنظام السياسي المصري، وتفتح صفحاتها لأعداء النظام لكي ينشروا مقالاتهم، بل إنها تقوم بتحريض الإدارات الأميركية المختلفة على مصر، سواء لقطع المعونات الاقتصادية عنها، أو للضغط السياسي عليها لتنفيذ الإصلاح الديمقراطي كما تراه الولايات المتحدة، حتى لو كان في ذلك تهديد للاستقرار السياسي في مصر. وأياً ما كان الأمر، فإن تحليل دور الإعلام كمركز قوة في النظام السياسي الأميركي بالغ الأهمية، لأنه يكشف عن تواطئه المتعمد للدفاع عن مصالح الشركات الكبرى والبنوك العملاقة من خلال التوفيق بين السلطة والمال. ومما يؤكد هذا التحليل الفضيحة التي لحقت بناشرة واشنطن بوست "كاترين ويماوث" حين تبين أن لديها خطة معلنة لإقامة حفلات عشاء في منزلها ينفق عليها رعاة يدفعون مبالغ مالية تتراوح ما بين 25 ألف دولار و250 ألف دولار، تجمع فيها بين البارزين في إدارة أوباما وممثلي جماعات الضغط ورجال الأعمال لإجراء مناقشات غير قابلة للنشر، وذلك للتدخل في عملية صنع القرار وخدمة رجال الأعمال! ومعنى ذلك أن صحيفة "واشنطن بوست" قدمت نفسها باعتبارها خادمة لرجال الأعمال، في إطار أشبه ما يكون بالمقاولات السياسية! وقد اضطرت ناشرة واشنطن بوست "كاترين ويماوث" إلى نشر اعتذار للقراء في الجريدة ادعت فيه أن النشرة الإعلانية عن حفلات العشاء لم تمر عليها. وقد جاء في هذه النشرة كما كتبت الناشرة بالنص "إننا (أي واشنطن بوست) نبيع القدرة على الاتصال بأصحاب النفوذ في واشنطن عبر حفلات عشاء ستقام في منزلي". وأضافت الناشرة في اعتذارها "..كان خطؤنا هو الاقتراح بإقامة حفلات عشاء غير خاضعة للنشر والمشاركة فيها مع صحافيين وأصحاب نفوذ يدفع مقابلها رعاة. ونحن لن ننظم مثل تلك الحفلات، ومهمتي كناشرة أن أضمن التزامنا بالمعايير التي تتفق مع نزاهتنا كمؤسسة إخبارية. وفي الأسبوع الماضي خذلتكم وخذلت المؤسسة". وهذا اعتراف كامل بأن "واشنطن بوست" كانت تعتزم أن تضع نفسها في خدمة رجال الأعمال من خلال الجمع بينهم وبين سياسيين نافذين في إدارة أوباما لتمرير التشريعات والقرارات التي تخدم مصالحهم، وذلك في مقابل الدخل الضخم للجريدة الذي سيدخل في خزانتها من تبرعات الرعاة! وقد وجدت "كاترين ويماوث" ناشرة الصحيفة نفسها مضطرة للاعتراف بالفضيحة والاعتذار للقراء، بعد أن كشفت "بولتيكو" وهي صحيفة تعنى بالأخبار السياسية عن مختلف جوانب الصفقة، التي كشفتها نشرة إعلانية أعدها قسم التسويق الداخلي في الصحيفة، بعث بها إلى جماعات الضغط للترويج لسلة من حفلات العشاء في منزل ناشرة الصحيفة بهدف عقد مناقشات داخل مكان "يبعث على الشعور بالارتياح" "ويخلو من الطابع الصدامي"! وقد أثارت هذه الأنباء -كما جاء في تحقيق لجريدة "الشرق الأوسط"- رد فعل غاضباً من قبل رئيس التحرير التنفيذي "ماركوس بروتشلي" الذي أصدر مذكرة أعلن خلالها أن "أعضاء صالة التحرير لن يشاركوا في هذا الحدث". وقد جاء في النشرة الإعلانية أن الجريدة ستنظم ما أسمته "صالون واشنطن بوست" لتحسين الرعاية الصحية في منزل "كاترين ويماوث"، وكان من المفترض أن يضم التجمع 20 ضيفاً أو أقل بمن فيهم مسؤولون في إدارة أوباما وأعضاء في الكونجرس وقادة أعمال وأعضاء في جماعات الضغط، وكان مخططاً أن يعقد أحد عشر صالوناً متتالياً لمناقشة مختلف القضايا الداخلية والخارجية، ورسم اتجاهات محددة لكي يتبناها الكونجرس فيما بعد. وجاء في بعض التعليقات أن أزمة صناعة الصحف أدت إلى أن يشرع بعض الناشرين في استضافة لقاءات لاجتذاب مصادر جديدة للدخل. وكان موقف رئيس التحرير التنفيذي "بروتشلي" قاطعاً في رفض هذا الاتجاه، إيماناً منه بأهمية تحقيق شروط النزاهة الصحفية التي ينبغي أن تجعل الإعلام غير منحاز لطرف دون آخر، فذلك يخالف أخلاقيات المهنة الصحفية مخالفة صارخة. وقد قرر بكل وضوح "لا ينبغي للصحيفة التي تفخر بأنها تغطي التداخل بين السلطة والمال أن تقيم مكاناً لمثل تلك الأنشطة". وأضاف في عبارة مهمة لها دلالة وتستحق في الواقع أن تكون شعاراً لأي صحيفة في العالم "يجب أن يكون عملنا هو تسليط الأضواء على الأركان المظلمة وليس إيجاد الأركان المظلمة"! وهكذا يمكن القول إنه في ضوء ما نشر عن الفضيحة التي أوقعت فيها إدارة "واشنطن بوست" نفسها، حيث ضبطت متلبسة بخرق القواعد الأخلاقية لمهنة الصحافة، يتبين لنا صدق التحليل الذي سبق أن قدمناه عن مراكز القوى في النظام السياسي الأميركي. فـ "الصالون" الذي كان مقرراً عقده كان سيتكون من مسؤولين في إدارة أوباما، وأعضاء في الكونجرس، وقادة أعمال، وأعضاء في جماعات الضغط. ومعنى ذلك أن هذه النخبة تمثل خير تمثيل مراكز القوى الأميركية، وهم السياسيون المحترفون، سواء منهم من يعملون كموظفين في إدارة أوباما، وأعضاء في الكونجرس، ورجال الأعمال من ملاك ومديري الشركات والبنوك الكبرى، وأعضاء في جماعات الضغط. ولعل النشر عن هذه الفضيحة الإعلامية يكشف الستار عن الأساليب الخفية التي تطبق في المجتمع السياسي الأميركي للتأثير على عملية صنع القرار، حتى تصدر القرارات لصالح الطبقة الرأسمالية، والتي تهيمن إلى حد كبير على توجهات السياسة الأميركية سواء في الداخل أو الخارج.