شهدت بداية الألفية الثالثة للميلاد التي لا نزال نعيشها مفارقة هزلية. سياسيون يشككون بمستقبل العراق، ومؤرخون يبرهنون على ميلاد علوم الرياضيات في العراق في الألفية الرابعة قبل الميلاد. و"سواء كان الاسم المستخدم هو العراق أو سومر أو بابل أو ميزوبوتاميا، أو هذه الأسماء جميعاً فإن كل مرجع في تاريخ الرياضيات يعيد أصل الرياضيات الصرفة إلى الماضي البعيد لهذه الأرض ما بين نهري دجلة والفرات". تذكر ذلك عالمة الآثار إيليانور روبسن في كتابها الصادر بالإنجليزية "الرياضيات في العراق القديم" Mathematics in Ancient Iraq. وتتابع الباحثة التي تُدّرسُ تاريخ الفلسفة والعلم في أرقى جامعتين بريطانيتين، وهما "كامبردج" و"أوكسفورد"، أربعة آلاف عام من مسيرة علم الرياضيات في العراق، وتستكشف استخدام أول المدن في التاريخ التي أنشئت في العراق تقنيات "الحاسبات الطينية". طوّرت هذه الحاسبات في الألفية الرابعة قبل الميلاد، وبقيت حتى زوال اللغة المسمارية في القرن الثاني بعد الميلاد، أداة رجال الأدب الذين كانوا دائماً متمكنين أيضاً من الحساب. وسواء أكانت الرياضيات اختراعاً أو اكتشافاً، فإنها لم تكن بالنسبة لعلماء العراق مبحثاً تجريدياً كما أصبحت فيما بعد لدى علماء الإغريق، بل كانت مكوِّناً رئيسياً في بناء المجتمع، والتعامل مع العالم. هذا الاختلاف الحاسم يجعل دراسة ميلاد الرياضيات في العراق بحثاً في "التاريخ الاجتماعي" حسب العنوان الثانوي للكتاب. فالعراقيون القدماء استخدموا علوم الرياضيات والحساب والهندسة في قياس الوقت، وتحديد الفصول والأعوام، ومسح الأراضي والمباني، وإحصاء العاملين، والثروات الحيوانية والزراعية، وفي تقنين الموازين التجارية، ومسك السجلات وإدارة الدواوين، كما استخدموها في علم الفلك، ورصد الكواكب والنجوم، وفي أعمال السحر، وقراءة الطالع والتنبؤ بالأحداث، وفي إبداع النصوص الأدبية والدينية، وابتكار الألعاب المسلية. وتبدع في استخدام القوة البلاغية للأرقام والقياسات ملحمة "كلكامش" التي تعتبر أقدم عمل أدبي في التاريخ. "اصعد جدار أوروك وامشِ حوله، قِس مساحة أساسه، وتفحص بنيانه الآجري". ترد هذه الكلمات في مطلع ملحمة "كلكامش" التي تستهل مشاهدها بتحديد مساحات مدينة "أوروك" وبساتينها الزراعية، ومعابدها، وتحسب سبع ليال مارس فيها الحب "إنكيدو" صديق "كلكامش" قبل أن يتحول من كائن حيواني متوحش إلى إنسان مهذب، وسبع ليال قضاها "كلكامش" في البكاء على فقده، وسبع ليال استغرقتها رحلة "كلكامش" قبل أن يرى نور الشمس. وتستخدم الملحمة النظام الستيني، المعمول به حتى اليوم في معظم مناحي الحياة، ويُعتبر أهم إنجازات علماء الرياضيات العراقيين، التي يستخدمها العالم في كل ثانية من ستين ثانية في الدقيقة، ولا يعلم إلاّ الله كيف ولماذا ابتكروه. ويعرض الكتاب معلومات شيقة عن أنساب العاملين في الرياضيات، كأسرة "شمش إدين" وأسرة "بيل أبلا إدين" أو أسرة "مشذب أو "مشالم". ويحمل كل لوح ختم كاتبه، ونسبه العائلي، ولقبه أو انتسابه الذي غالباً ما يكون إلى مدينة أوروك. وتحذر الألواح الطينية كل من يخشى "عشتار" أو غيرها من الآلهة بأن لا يأخذها. استقراء هذه التفاصيل في ألواح طينية منقوشة باللغة المسمارية عمل من أعمال الحب. وهل يمكن من دون الحب مسح آلاف الأعوام للتعرف على أسماء وأنساب العاملين في الرياضيات، وعوائلهم وأصدقائهم وزملائهم؟ هذا ما تفعله الباحثة التي لا تكتفي باستقصاء أسماء مبدعي وناسخي ومستخدمي الأفكار والعمليات الرياضية، أو قراءة أختامهم المطبوعة على الألواح الطينية، بل تشخص طرقهم في الكتابة اليدوية، وتميز أساليبهم في التعبير والمواضيع التي يختارونها، وأشكال وحجوم الرقيمات الطينية التي يصنعونها. وليس هؤلاء الأشخاص من كبار علماء الرياضيات وعباقرتها، بل هم معلمون وطلاب مدارس، ومحاسبون وباحثون، أو موظفون في الدواوين الحكومية. وتختتم الباحثة الكتاب بتحية هؤلاء المدونين الذين "نعرف بالتحديد أسماءهم وتواريخهم، ومخطوطاتهم الموقعة من قبلهم، ومكتباتهم، وحاجياتهم المنزلية". وتذكر أن هذه التفاصيل تفتح "نافذة نحو العالم المادي والاجتماعي والفكري للعاملين في الرياضيات في العراق القديم يحلم بها فحسب مؤرخو الحضارات القديمة الأخرى". فالعراقيون محظوظون بالطين الذي استخدموه كألواح للكتابة، والحساب، وكمادة مناسبة لرسم علامات ورموز وجداول الرياضيات. وفي حين تعرضت للتلف والاندثار الوثائق المدونة على جريد النخيل وأوراق البردي، والقصب، حفظت الألواح الطينية عبر أكثر من خمسة آلاف عام كنوزاً من المعلومات والشواهد. مئات الآلاف من الألواح، أو ما تُسمى "الرُقيمات" الطينية، عثر عليها علماء الآثار، وفكوا رموزها، وترجموا محتوياتها. وتعبر عن شغف علماء الآثار بالعراق صور وتخطيطات وخرائط رسمتها الباحثة، وبينها رسم توضيحي بديع لطريقة التدوين اليدوي للكتابة المسمارية على قطعة طين، وصورة فوتوغرافية التقطتها الباحثة داخل بستان نخيل في العراق تصور طريقة حساب المساحين العراقيين القدماء. ويتجلى جمال الرياضيات الذي يأسر قلوب علماء الرياضيات في الرسوم الهندسية والجداول الرياضية، التي نكتشف من خلالها العلاقة المتبادلة بين النص البصري الهندسي والكتابي والرقمي. إدراك هذه العلاقة مهم ليس فقط لمعرفة التاريخ الفكري للرياضيات، بل أيضاً للتعرف على المفاهيم القديمة، وتصنيف الأشكال، والمساحات والتماثلات في فنون وعمارة وتصاميم العراق القديم. ويعرض الكتاب، في فصل عنوانه "التماثل والهندسة والثقافة البصرية"، صورة لوح لعبة مراهنات قديمة يعود تاريخها إلى مملكة "أور" قبل أكثر من خمسة آلاف عام. رقعة اللوح مقسمة إلى مربعات تغطيها زخارف كالمقرصنات الإسلامية، ونجوم، ودوائر وأشكال بيضوية كحدقات العيون. ويبدو اللوح وقطع المراهنة المستديرة كالأزرار ويبلغ عددها 14 قطعة مزيجاً من لعبتي "الدومينو" و"الطاولة" الشائعتين. وتقر الباحثة بأن كتابها الذي يقع في 450 صفحة لا يقدم تاريخاً محدداً للرياضيات والحساب في العراق، وكل ما يفعله هو أنه يخدش سطح التقاليد الغنية والمعقدة لثلاثة آلاف عام. ولا شيء يماثل مفارقة المستقبل المشكوك فيه والماضي الجميل الذي حافظ على بقائه. تُخرج هذه المفارقة عالمة الآثار عن سياق النص الأكاديمي، وتدفعها إلى التنديد بنهب الألواح المسمارية بعد حرب الخليج عام 1991، وغزو العراق عام 2003، وتحذير الرأي العام العالمي من أن كل لوح مسماري معروض للبيع اليوم، سواء في حوانيت أو بيوتات بيع التحف القديمة... هو مسروق ويخضع المتاجرون به للملاحقة القانونية. وتفضح الباحثة تاريخ الممارسات الآثارية في القرنين الماضيين، والتي انتهكت "الألواح السومرية وغيرها من آثار ينبغي أن تظل في مواقعها حتى يمكن تنقيبها ودراستها بالعناية والحرص اللذين تستحقهما هذه القطع ومدونوها". ويجسد غلاف الكتاب العاطفة المشبوبة لمؤرخي علوم الرياضيات في العراق. تحتل الغلاف صورة منحوتة لألهة الحب "إنانا" لدى السومريين، وهي تقف عارية بعد أن تخلت عن كل رموز قوتها المقدسة، باستثناء حليتها، وغطاء الرأس، وقصبة وحبل قياس المسافات اللذين تلوح بهما في كفيها. هذه المنحوتة التي يبلغ عمرها خمسة آلاف عام، هل تحدثنا عن يقين الماضي الجميل لعلوم الرياضيات في العراق أم عن شكوك المستقبل غير المنظور؟