استمرار اعتماد دول مجلس التعاون الخليجي سياسة ردود الأفعال فيما يتعلق بقضايا العمالة الوافدة فيها والتي تقدر بـ17 مليون عامل، هو أمر غير صحيح فمشاكل العمالة وما تعاني دول الخليج بسببها لم تعد كالسابق... كما أن المنظمات الدولية في السنوات الأخيرة صارت متحفزة كي تنقض على أية مشكلة عمالية تراها في هذه الدول. وبالإضافة إلى أن العمالة الأجنبية أدخلت إلى المجتمعات الخليجية عادات اجتماعية جديدة وأثرت على تركيبة المجتمع، فقد أدخلت إليها المنظمات الدولية التي صارت مستمرة في انتقاد دول الخليج بسبب أوضاع العمالة أحياناً ولأسباب قد تتعلق بحقوق الإنسان أحياناً أخرى. ورغم كل سلبيات العمالة التي نتكلم عنها والتي لا نتكلم عنها فإنه لا يمكن إنكار أن حاجة مجتمعات الخليج التي تعيش طفرة النفط منذ عقود إلى تلك الأعداد الكبيرة من العمالة ما تزال قائمة وقد تستمر لعقود مقبلة، لذا يفترض أن يكون لدى دول الخليج تصور واضح وكامل للتعامل مع هذه القضية بكل تفاصيلها، ومنها وضع آلية محددة لمدة بقاء العمالة في هذه الدول وخصوصاً أن كل هذه العمالة تعتبر مؤقتة وليست مهاجرة وبالتالي فإن بقاءها لفترات طويلة يضع دول الخليج في حرج أمام القوانين الدولية التي قد تفرض منحهم حقوقاً سياسية، بل ربما تفرض تجنيسهم إذا ما بقوا في تلك الدول لفترات طويلة. وسيصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة خلال السنوات المقبلة، خصوصاً إذا علمنا أنه إذا ما استمرار الاعتماد على العمالة على النحو الحالي واستمر تدفقها بمعدلاته الحالية على دول الخليج، فإن عدد العمالة الوافدة سيتضاعف في عام 2018 ليصل إلى أكثر من 30 مليونا في دول مجلس التعاون وذلك حسب تصريح وزير العمل البحريني مجيد العلوي. والدول المصدرة للعمالة لا تتوقف عن المطالبات، ومنذ أيام أصدرت الحكومة الهندية قرارات تتعلق بعمالتها الجديدة في الخليج، منها أن لا يقل أجر العمالة المنزلية عن 266 دولارا أميركيا شهرياً، بينما يتراوح الأجر الحالي بين 150 و200دولار شهرياً، كما اشترطت وضع ضمان بنكي مقداره 2500 دولار لكل عامل لضمان حقه في حال تأخر راتبه وضمان حصوله على تذكرة السفر عند المغادرة إلى بلده. ورغم أن هذا القرار لا يبدو ذكياً بالقدر الذي يتصوره من أصدره، وقد يضر هذه الفئة من العمالة أكثر مما يفيدها، فإن خيارات الاستعانة بجنسيات أخرى متاحة. ورغم كل ذلك فان هذه ليست مشكلة الدول التي تستورد العمالة وإنما الدول التي تصدرها، خصوصاً أن هذا القرار يأتي في وقت الأزمة المالية العالمية التي لا يجد فيها الكثيرون فرصة عمل بل يفقد الكثيرون أعمالهم!.. أما مشكلة الدول التي تستورد العمال ومنها دول الخليج، فهي أنها يجب أن تنتبه إلى أنها صارت تتعامل مع واقع داخلي يحدده الآخرون خارج الحدود، رغم أن دول الخليج هي الأقوى لأن الآخرين يحتاجون إليها للعمل فيها بعد أن يئسوا من الحصول على الفرص المناسبة في دولهم. فهذه العمالة قامت خلال العام الماضي بتحويل أكثر من 60 مليار دولار إلى دولها... فلماذا رغم هذا الوضع القوي لدول الخليج نجدها في تعاملها مع قضايا العمالة، تبدو مترددة وكأنها هي المحتاجة؟ بما أن مشكلة العمالة تعتبر خليجية وليست محلية وتعاني منها أربع دول بشكل أكبر، هي الإمارات وقطر والكويت والبحرين، فلابد أن تتم مواجهتها والتعامل معها من خلال العمل الخليجي المشترك. ولا يخفى على المتابعين لهذا الملف أنه كان يفترض أن يوضع على طاولة القمة الخليجية لأكثر من مرة، لكنه لم يأخذ حقه من النقاش حوله والاتفاق عليه وذلك لحسابات كثيرة، سياسية واقتصادية، وكذلك بسبب وجود "لوبي خليجي" لا يريد تغيير الوضع الحالي خشية أن يتأثر الوضع الاقتصادي سلبا بأية لوائح أو ضوابط جديدة... في حين أن هذا اللوبي لا يرى تلك المطالبات التي أصبحت تضعها الدول المصدرة للعمالة! لكن في مقابل الأحلام الوردية للمسؤولين في دول العمالة الآسيوية، كيف يفكر المسؤولون الخليجيون، وما هي أولوياتهم في هذا الخصوص؟ تواجه قمة مجلس التعاون المقبلة في المنامة، تحدياً مهماً وهو إقرار بعض الأمور المتعلقة بالعمالة، ومنها تحديد مدة إقامة العمالة الوافدة غير الماهرة، والذي أصبح أمراً مهماً وملحاً ويجب التعامل معه بشكل جدي من الآن فصاعداً، ويجب أن توضع كل المبررات لاتخاذ هذا القرار أمام القادة حتى يتم حسمه. عشرات من المؤتمرات والندوات والمحاضرات والاجتماعات... عقدت حول قضية العمالة الأجنبية خلال العقود الثلاثة الماضية في كل دول الخليج، ولم ينتج عنها إلا بعض الأفكار الرائعة التي لم تنفذ، وبعض الإجراءات البسيطة التي لم تؤثر! واليوم فإن دول الخليج أمام خطوة كبيرة ومهمة أعلنت عنها مملكة البحرين منذ أيام ويفترض أن تدخل حيز التنفيذ بداية شهر أغسطس المقبل، وهذه الخطوة هي إلغاء نظام الكفيل. وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن هذا النظام كان على مدى سنوات طويلة محل انتقاد كثير من المواطنين والمراقبين والمهتمين بموضوع العمالة، فضلا عن أنه كان أحد أسباب تزايد عدد العمالة في دول الخليج وانتشار ظاهرة العمالة السائبة التي تجلبها بعض الشركات والأفراد بهدف الاتجار بالتأشيرات. باقي دول الخليج اليوم أمام تحد يطالبها بالتعامل مع هذا النظام وفق رؤية جديدة، حتى أن كان البعض يرى فيه إيجابيات كثيرة، إلا أنه تمت إساءة استغلاله من الجميع، سواء من الكفيل أو المكفول.. وخطوة في هذا المجال يفترض أن تكون خطوة خليجية موحدة. أما الخطوة الأهم الأخرى فهي وضع حد زمني لفترة بقاء العمالة في هذه الدول. ولا يخفى على أحد أن إلغاء نظام الكفيل لن يكون سهلا بعد تلك السنوات من الاعتماد عليه، فهو يواجه مقاومة كبيرة منذ زمن، وإن كانت فكرة الإلغاء قديمة فإن تنفيذها ما يزال صعباً، وهذا طبيعي خصوصاً إذا ما عرفنا أن المستفيدين منه ليسوا الكفلاء المواطنين فقط بل أيضاً مكاتب جلب العمالة التي تعتبر هذا النظام منجماً من ذهب يدخل عليهم "الثروة" التي سيحرمون منها إذا ما تم إلغاؤه... لذا يجب أن لا تخضع الحكومات الخليجية لضغوطات جديدة، وأن لا تتأخر في تغيير هذا النظام، فالمصلحة الوطنية العليا لهذه الدول تتطلب تغييره. وتحتاج دول الخليج إلى إعادة النظر في أولوياتها الاقتصادية للمحافظة على مصالحها الاستراتيجية والوطنية، خصوصاً في المرحلة المقبلة حيث من المتوقع أن يزداد عدد العمالة الوافدة غير الماهرة إلى دول الخليج بسبب الأزمة المالية العالمية التي ستؤدي إلى نوع من زيادة العرض لفئة العمالة غير الماهرة. فالعالم يشهد وضعاً صعباً أدى إلى ندرة فرص العمل وقلة الطلب في العالم. وبما أن دول الخليج تأثرت بالأزمة بشكل لم يوقف مشاريعها الاستراتيجية، فإن الاتجاه نحوها للحصول على فرص العمل ما يزال مستمراً والطلب من الشركات مستمر أيضاً.