كما كانت الثورة الإسلامية في إيران إعلاناً عن افتتاح حقبة جديدة، سيطرت فيها العقيدة الدينية على الحياة السياسية، حتى في تلك البلدان التي لم تخضع لحكم إسلامي، تشكل الهزة العنيفة التي شهدتها الجمهورية الإسلامية مؤخراً إرهاصاً بنهايتها أو بالخروج منها. من هذا المنظور تمثل الأوضاع الإيرانية الراهنة لحظة تاريخية تنطوي على ديناميكية، وتعبر عن خيارات، هي نفسها التي تعيشها المجتمعات العربية، لكن في ظروف يطبعها الكبت والعجز والحرمان من التعبير عنها أو التفكير في مضمونها وأفق الخروج منها. فكما كان العرب سباقين في التعبير عن المرحلة القومية التي عاشتها شعوب كثيرة في العالم الثالث خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وأخفقت طهران في الولوج إليها بسبب السيطرة الغربية الطاغية، وهو ما عبر عنه إحباط حركة مصدق عام 1953، كانت إيران سباقة في الثمانينيات إلى قيادة الحقبة ما بعد القومية. ومصدر سبقها أنها لم تكن تستطيع تحقيق الاستقلال وتأكيد الهوية الثقافية، من دون أن تبتدع نموذجاً سياسياً وفكرياً يقطع مع الغرب ويحقق أهداف التقدم التقني والاجتماعي في الوقت نفسه. وهذا ما جعلها تبدو وكأنها تفتح أفقاً جديداً للبلدان النامية، والإسلامية منها بشكل خاص، يحمل فرص إخراج ملايين البشر من الهامشية وانعدام الثقة بالنفس ويمكنهم من استعادة إنسانيتهم والمصالحة مع تاريخهم. وكما هو معروف، فقد جاءت الثورة الإيرانية رداً على حداثة قاهرة وسالبة معاً، لا تعمل على تحقير الذات والتحلل من الهوية فحسب، بل أيضاً تحكم على الأغلبية الساحقة من الناس بالفقر والعطالة والذل الأبدي. وهذا ما عبر عنه وجسده حكم الشاه الذي عمل حارساً للمصالح الغربية وكان من أقسى النظم وأكثرها فساداً وتمييزاً ضد عامة الناس. وفي ردها الاعتبار لهؤلاء، وهو مكسب تجاوز في أهميته بكثير المكاسب المادية الأخرى، ردت الاعتبار في الوقت نفسه للعقيدة التي يحملونها والتي تمثل هويتهم وشخصيتهم، في مقابل العقيدة القومية والأيديولوجية الآرية المتعصبة التي ارتبطت بها. وهذا هو جوهر الترابط الذي حصل بين الإسلام والسياسة الإيرانية. لكن ليس هناك شك في أن هذا الترابط الذي حصل بين الثورة والإسلام قد حجب عن عيون الناس، إيرانيين وأجانب، مقاصد الثورة الرئيسية ومصدر شرعيتها الحقيقية. وعزز ذلك الدور المركزي الذي قامت به الهيئة الدينية الإيرانية بما قدمته من قوة تنظيمية وتوجيهية جاهزة لإعادة بناء قوة التغيير. وكان لشخصية الخميني نصيبها في دفع الأفراد إلى التسليم بريادة الفقيه الولي واعتباره الأمين على السلطة والقيم. وجاءت الحرب العراقية الإيرانية، كتتويج لحروب تدخل خارجية طويلة، مناسبة للتكريس النهائي لولاية الفقيه ووصاية السلطة الدينية، وبالتالي حرمان الناس بشكل أكبر من سيادتهم الشخصية. لكن الثورة الإيرانية، كجميع الثورات التي سبقتها، لن تحقق مكاسب فحسب، ولكنها ستنتج إحباطات كثيرة وعميقة أيضاً، وذلك على مقدار ما ستبرز، في التطبيق العملي، التباين الواسع بين الطوبى الملهمة والممارسة الفعلية، وما ستعيد بناءه من أوضاع السيطرة والإخضاع، والإشراك والاستبعاد لشرائح اجتماعية مختلفة. وكما حرمها الحصار الذي فرض عليها من توفير شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية الضرورية للرد على حاجات السكان، فقد ساهم التفاوت المتزايد في ممارسة الحقوق والحريات الموعودة، في تنامي التوترات والتناقضات والاحتقانات الحاملة لمخاطر عديدة. عوامل كثيرة ساهمت في سقوط الأوهام، وإدراك مسار الانحسار والتراجع في شعارات الجمهورية الإسلامية، وربما، أكثر من ذلك، خاصة بعد الانتخابات الإشكالية الأخيرة، تنامي الشعور بمصادرة الثورة من قبل فئات المصالح وأصحاب النفوذ، وسعيهم إلى تجميد الأوضاع في مكانها، وحرمان الآخرين، إلا ما كان على سبيل الدعاية والرشوة الجماعية، من ثمرات تضحياتهم. وهو ما شجع جمهوراً كبيراً على القطع مع أسطورة الثورة التحررية، والنزول إلى الشوارع للتعبير عن رفضه التمديد للأوضاع القائمة. من هذه العوامل رئاسة أحمدي نجاد وما اتسمت به من تشدد ديني وسياسي داخلي، ومن تكريس سيطرة النخبة الدينية وتعزيز مواقعها ودورها في توجيه دفة السياسة الوطنية الداخلية والخارجية. والتراجع التدريجي عن الحريات المكتسبة، والعمل بصمت على إعادة إنتاج النظام القمعي التقليدي المستند الى أجهزة الأمن والميليشيات الخاصة التابعة للنخبة الحاكمة. وهذا ما أثار تململا داخل العديد من الأوساط الاجتماعية الميالة إلى التسامح والتعامل مع العصر وقيمه ومراكز الحضارة العالمية، بما في ذلك بعض أطراف النخبة الدينية التي تخشى مركزة السلطة جميعا في يد الولي الفقيه وذراعه الرئاسية. ومنها أيضاً التبدل الإيجابي الذي حصل على صعيد السياسة الإقليمية نتيجة الإخفاق الذريع لاستراتيجية بوش العدوانية، وتبني الإدارة الأميركية الجديدة استراتيجية التهدئة، ومدها يد المصالحة إلى العالمين العربي والإسلامي، وإعلانها عن رغبتها في الانفتاح على طهران والحوار الجدي معها في سبيل التوصل إلى تسوية المسألة النووية. لكن بداية انحسار عصر الثورة الإسلامية لا يعني أبداً نهاية النظام، أو زوال نفوذ الدولة الإيرانية أو تهديد وجودها. فالنظام مجموعة قوى ومصالح متآلفة، أصبحت مستقرة بمعزل عن المبادئ الثورية والشعارات والقيم الملهمة، وهي لا تزال تملك وسائل لا حد لها للدفاع عن نفسها والاحتفاظ بالسيطرة السياسية. إنها تعني تآكل الرصيد المعنوي والأخلاقي والفكري للنظام، ما يجعل من الصعب على أصحابه الحفاظ على توازن السلطة وإعادة إنتاجها من دون توسيع دائرة استخدام العنف والقمع والحد من الحرية، على حساب الولاء الطوعي وروح الانتماء والتماهي مع السلطة إيماناً بثوريتها، أي بنزاهة أهدافها وإنسانيتها. وهو ما يزود الثورات عموماً بقوة دفع استثنائية في حقبتها الأولى. وفي موازاة اللجوء المتزايد للعنف، للحفاظ على الوضع القائم، ستجد السلطة الإسلاموية نفسها مكرهة أكثر فأكثر على الانكفاء على العصبية، وتغذية مشاعر التضامن البدائية ضد الغريب والمختلف والأجنبي، على حساب قيم الحرية والمساواة والأخوة الإنسانية، حتى تضمن استمرارها وتعوض عن انحسار صدقية مشروعها وشرعيتها معاً. لا يختلف ما تعيشه الثورة الإيرانية حالياً عما عرفته في الخمسينيات والستينيات جميع الحركات والثورات الشعبية، الاشتراكية والقومية، في منطقتنا، وفي البلاد الأخرى، على حد سواء. فقد احتاجت النخب العربية، القومية والثورية بالذات، إلى نصف قرن من العنف الأعمى وعمليات الاغتيال وحروب التطهير السياسي، وحملات الانتقام والتأديب لإخماد الانتفاضات الشعبية، وتأبيد نظام الأحكام العرفية وحالة الطوارئ، حتى تتمكن من القضاء على "أوهام" الحرية والعدالة والمساواة والكرامة التي فجرتها الحركة الشعبية، وحتى تعيد الجماهير التي كانت تتغنى بنضالاتها إلى "أوكارها"، وتنسيها معنى الحقوق المدنية والسياسية. ولا تزال هذه الحرب مستمرة إلى اليوم، إذ ماذا يعني نظام الديكتاتورية، التي تكاد تصبح ماهية السياسة في بلادنا، غير تنظيم حالة الحرب هذه ومأسستها في سبيل إدامتها فترة أطول وزيادة فعاليتها وردعيتها. وعلى الأرجح، ستظل إيران، ولفترة طويلة، ضحية شعارات ثورتها وجمهوريتها الإسلاميتين، قبل أن تنجح في شق طريق جديد للمستقبل، تماماً كما بقيت مجتمعاتنا العربية تتخبط منذ عقود، في رواسب ثورتنا "القومية"، دافعة بذلك ثمن إجهاضها غالياً.