مع ارتفاع حرارة المناخ وتراجع الاقتصاد، تبدو حدود النمو التي تقول بها نظرية مالتوس حقيقيةً، بل يبدو أنها تحققت؛ فإذا كان مزيد من السكان يعني مزيداً من الابتكار في وقت من الأوقات، فإنه اليوم بات يعني كمية أقل لكل شخص: مياه أقل بالنسبة لمربي الماشية في القرن الأفريقي، أراض أقل بالنسبة للمزارعين في الفلبين وجواتيمالا، مناخ أقل لامتصاص الغازات التي يلفظها الاقتصاد العالمي، طاقة أقل وطعام أقل، ثم وظائف أقل إذا لم يستعد الاقتصاد العالمي عافيته. هذه المشكلة تعيد إلى الواجهة موضوعاً شائكاً وقديماً: النمو العالمي وما يمكن أن نفعله؛ فهناك اليوم نحو 6.8 مليار نسمة من البشر، ومازال المزيد منهم في الطريق. وللحد من هذه المشكلات، سيتعين علينا أن نقلص جذرياً تأثير الأفراد على البيئة عبر تطوير تكنولوجيات محسَّنة، وتغيير نمط عيشنا، بالنسبة للميسورين منا. وإذا كان النمو السكاني مثيراً للقلق بما يكفي، فإن زيادة الاستهلاك تجعله أكثر إثارة للقلق، وذلك لأنه بينما تزداد البلدان نمواً وتطوراً، فإن استهلاكها وضررها البيئي يزدادان. وعليه، فهناك حاجة واضحة اليوم لخفض معدلات استهلاك الأفراد، غير أنه ما لم يتوقف سكان العالم عن النمو، فلن تكون ثمة نهاية لزيادة الاستهلاك. وبالنظر إلى الـ9 مليارات نسمة التي يتوقعها الخبراء الديمغرافيون بحلول 2050، فإنه حتى نمط حياةٍ عالمي متوسط الاستهلاك، كالذي يوجد في جنوب أفريقيا، قد لا يكون حلا مستديماً. وبالتالي، فالتوازن بين النمو السكاني والاستهلاك الفردي، هو السبيل الوحيد إلى حل بيئي مستديم. ومن أجل مصلحة الفقراء، والعالم عموماً، فسنكون أفضل حالا إذا أوقف السكان نموهم وانتقلوا تدريجياً إلى مستوى أدنى من المستوى الحالي. "ضبط نمو السكان" يعني بالنسبة للأغلبية الساحقة من الجمهور خفضَ عدد السكان على غرار السياسة السكانية للصين؛ غير أن مفهوم "الضبط"، ولسبب وجيه، هو شيء ممقوت بالنسبة لأغلب الناس. والواقع أن معالجة موضوع السكان على أساس حقّنا في أن نقرر بأنفسنا ما إن كنا سننجب، ومتى سننجب، هو أكثر فعالية. والواقع أن الفكرة ليست جديدة؛ ففي مؤتمر الأمم المتحدة بالقاهرة عام 1994، رفضت كل دول العالم تقريبًا ضبط نمو السكان، واتفقت بدلا من ذلك على مساعدة النساء على الإنجاب في ظروف صحية. قد تبدو هذه المقاربة، والتي تؤيد الحريةَ التناسلية، مناقضةً لهدف تقليص عدد السكان، وشبيهة بإعطاء مراهق مفاتيح سيارة العائلة حتى قبل إعطائه بعض التعليمات والإرشادات. والحال أن الدلائل تشير إلى أن ما تريده النساء ليس مزيداً من الأطفال، وإنما أطفالا يستطعن تربيتهم في ظروف صحية سليمة. وهكذا، تقوم النساء اللاتي يُتركن ليتدبرن أمورهن بأنفسهن، بـ "ضبط" نمو السكان بشكل جماعي. أما الحكومات، فتستطيع، وينبغي، أن تخرج من الموضوع وتكتفي بالمساعدة على التحقق من أن خدمات التخطيط العائلي آمنة وغير باهظة ومتاحة لمن يريدها. ووفق "معهد جوتميكر"، وهو منظمة للبحوث في مجال الصحة التناسلية، فإن أزيد من 200 مليون امرأة في البلدان النامية يوجدن في سن الإنجاب ولا يستعملن وسائل فعالة لمنع الحمل، رغم أنهن لا يرغبن في الإنجاب. والنتيجة: حوالي 80 مليون حالة حمل عبر العالم غير مقصودة. وهو عدد مماثل للزيادة السكانية سنوياً. وفي الولايات المتحدة مثلا، فإن نصف إجمالي حالات الحمل تقريباً غير مقصودة. غير أنه حيثما توفرت للنساء وسائل منع الحمل، إضافة إلى خدمات إجهاض آمنة، فإنهن ينجبن طفلا أو طفلين فقط. وهكذا، فإذا أضفنا مثل هذه الخدمات إلى تعليم الفتيات وتوفير فرص كريمة للنساء، فإن معدل الخصوبة العالمي سينخفض إلى ما دون اثنين. صحيح أن ضبط نمو السكان بالطريقة القديمة يبدو للوهلة الأولى أنه ساعد على إبطاء النمو السكاني في الصين، غير أن معظم الانخفاض في الخصوبة بالصين إنما حدث قبل أن يبدأ العمل بسياسة "الطفل الواحد" عام 1979. ثم إنه بالنظر إلى الاتجاهات العامة للخصوبة في بلدان آسيوية أخرى، فإن الانخفاض كان سيستمر على الأرجح حتى بدون فرض القانون. وعلاوة على ذلك، سجلت العديد من البلدان النامية تراجعات مماثلة في حجم العائلة من خلال تركيزها على توفير خدمات التعليم والتخطيط العائلي. إن إثارة موضوع النمو السكاني في النقاش العام أمر ينطوي على مخاطر، غير أن الناس بدؤوا يدركون بشكل متزايد أن الموضوع ليس سوى جزء فقط من مشاكل اليوم، وأن "ضبط النمو السكاني" لا يستطيع ضبط النمو السكاني فعلا، لأن منح النساء إمكانية "ضبط" حياتهن وأجسادهن وحده هو ما يحقق ذلك. روبرت إينجلمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نائب رئيس البرامج في معهد "وورلد وتش" البيئي. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"